ثمّ إننا نجد التوحيدي يبيّن أنّ « الإساءة للّغة قد تأتي من الأدباء يبالغون في السَّجع ، إنه يريده أن يكون في الكلام كالملح في الطَّعام . . . متى زاد عن المقدار ضارَعَ كلامَ الكَهَنة من العرب أو كلام المستعربين من العَجَم . . . » ( المصدر نفسه 1 : 364 - 365 ) .
إنّه يريد لغة عربية نقيّة ، يغلب عليها الطّبع ، ويرفض لغة التكلّف الّتي يراها بعيدة عن الأسلوب القويم ، الذي لا يمتّ إلى العربية بصلة ، إنّه كلام غريب أشبه بلغة ميّتة كان يستعملها الكهنة العرب ، أو لغة هجينة يستعملها العجم ، لذلك يقول التوحيدي : « نعوذُ باللّه من العُجْمة المخلوطة بالتَّعْريب ، ومن العربيَّة المخلوطةِ بالتّعجيم ، ولو أنّ هذا النقصَ لم يدلّ إلّا على اللّفظ الذي معدنُهُ اللّسان ، لكان العذرُ أقربَ ، لكنّه كاشف لعورة العقل » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 78 ) .
إنّ التشويه الأسلوبي ، الذي ينتج عن المبالغة في السّجع وعن اختلاط العجمة بالتعريب والعربية بالتعجيم لم يؤثر في الأسلوب فقط بل يؤثر في المعنى أيضاً ، وهو يوضّح أنّ مثل هذا الأسلوب يدلّ على ضعف في الفكر ، ولا يلجأ إليه إلّا من هو متّهم بعقله من أمثال ( الصاحب ابن عبّاد ) .
إنّه متحمّس للغة العربية ولأساليبها وقد ظهر هذا في نقده للنثر وللشعر ، ففي كتابه « الصداقة والصديق » بعد أن أورد شعراً لشاعر قديم يقول :
« هذه أبياتٌ تصلُحُ للحفظ لما فيها من شَرف اللّفظ وحُسن الرَّوْنق ، وصحّةُ المعنى ، وطرازُ العرب غير طراز المتشبّهين بهم ولعَمري إنّ حسيّة الطبع أكثر ماء ، وأبهى نضارةً من تثقيف التكلُّف ، والجواهرُ تشرف بمعادنها والفروعُ بأصولها ، والنّجومُ بأفلاكها . . . » ( التوحيدي ، الصداقة والصديق 85 ) .
إذن العربية التي دافع عنها ، هي العربية الأصيلة التي لم يتطرّق إليها التّكلّف ، وهي التي تجمع شرف المعنى واللّفظ ، لذلك يفضّل شعر الأعرابي على الشّعر المحدث ، فهو ابن ثقافة شكّل فيها أسلوب القرآن الكريم المثل الأعلى في اللغة ، لجمعه بين جمال اللّفظ وشرف المعنى .
وبذلك نجد أنّ اللغة والدّين شكّلا أسس الثقافة الإسلامية كما شكّلا أهمّ عوامل التّمازج الثقافي بين العرب وغيرهم من الأمم منذ بداية الإسلام ، فقد أبرز التوحيدي ذلك في شعر أورده على لسان سلمان الفارسي أوّل من أسلم من الفرس في كتابه « البصائر والذخائر » :
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 205
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٠٥