يسأل : « ممّ يعمل هذا ؟ قالوا من اللّبن والحنطة ، قال : أصلان كريمان . » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 4 : 69 ) . بهذا يمتدح الأعرابي الطّعام بما يمتدح الناس به عادة ( النسب ) لشدّة إعجابه به .
حتى وعلماء العربية أيضاً نجدهم يستخدمون اللّفظ الفارسي دون تردّد : « قال ابن الأعرابي : يقال للذي إذا أكل استظهر بشيء يضعه بين يديه ، ويضع يده اليسرى عليه ، ويأكل باليمنى : الجَردبان « 1 » » ( زمخشري 3 : 237 ) .
المدهش أن نجد التّوحيدي قد أظهر لنا سعة انتشار الألفاظ الفارسية في اللّغة العربية ، حتى إنه أورد على لسان ملك اليونان لفظاً فارسياً ، قال الإسكندر : « أشير على الإسكندر بالبيات ( أي أن يوقع بأعدائه ليلًا دون أن يعلموا ) في بعض الحروب ، فقال : ليس من آيين الملك استراق الظفر » وقد شرح لنا التوحيدي المقصود بلفظ آيين قائلًا : « لفظ فارسيّ يُراد به السيرة والصورة والزيّ والرسوم وما تعرفه العرب من عادات . » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 11 ) .
ومن هنا يبدو لنا أنه كان على معرفة باللّغة الفارسية ، حتى إنّه كان يستخدمها ويشرح بعض مفرداتها للمتلقّي ، دون أن يعني هذا أنّه كان يهتمّ بهذا الشرح بشكل دائم ، ففي الكتاب نفسه « البصائر والذخائر » الذي أورد فيه شرح المفردة الفارسية السابقة نجده يأتي بمفردات دون شرح قائلًا : « ما يقول القاضي - أعزّه اللّه - في رجلٍ دخل الحمّامَ وجلس في الأبزن « 2 » . . . » ( المصدر نفسه 1 : 315 ) .
فيبدو أنّه كان هناك كثير من الكلمات الفارسية باتت متداولة في الحياة اليومية لذلك لم يجد داعياً لشرحها .
كانت اللفظة الفارسية في الجملة العربية تأتي منسجمة ضمن السياق العربي ، بل نلاحظ أنّ هذه الألفاظ التي تتعلّق بمفردات الحياة اليومية تأتي في لغة التوحيدي بكثرة ، فمثلًا نجد لفظتين في
هامش
( 1 ) - معرّب : كردهبان ، أي حافظ الرغيف .
( 2 ) - الأبزن : حوض يغتسل فيه ، وقد يتخذ من نحاس ، معرب من آب زن ، أي الماء المخصّص للنساء .