« يُقال لمثله عندنا في نَيسابور طبلٌ هَرثميّ ، ويقال لمثله عند إخواننا ببغداد مادحُ نفسه يَقرئك السَّلام . . . » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 95 ) .
من هذه الفقرة يظهر لنا التّمازج اللّغوي في أوضح صوره ، إذ إنّ الفارسي لا يكتفي بأن يذكر المثل الذي يعرفه عن طريق الثّقافة المتوارثة ، وإنما يذكر لنا المقابل له في ثقافته الجديدة في اللغة العربيّة ، وهو بذلك يؤكّد حرصه على التواصل اللّغوي مع سامعه ، فيشرح أبعاد المثل الفارسي بمثل عربي .
3 - 4 - 4 - 3 - العادات :
إذن في العصر العباسي قوي التمازج الحضاري بين العرب والفرس ، بفعل الهجرة والتزاوج على المستوى الشّعبي وعلى مستوى السلطة ، إذ إنّ كثيراً من الخلفاء والوزراء قد اتّخذوا المؤدّبين من الفرس لتأديب أبنائهم وتعليمهم السياسة ، حتى وجدنا الرّشيد يقول للكسائي الذي كان مؤدباً لابنيْه : « قد أحللناكَ المحلّ الذي لم تبلغه همّتُك ، فروِّنا من الأشعار أعفَّها ، ومن الأحاديث أجمعَها لمحاسن الأخلاق ، وذاكِرنا بآدابِ الفُرس والهند » ( العاكوب 193 ) .
تتّسع لفظة آداب لما هو أكثر من الشعر والنثر ، إنّها مجموعة العادات والمعارف والحكم والسّلوك الذي يحمد إجتماعياً في بلاد الفرس والهند .
ويبدو لنا أنّ آداب الفرس كانت مسيطرة علي الحياة الاجتماعية في العصر العباسي ، بسبب تغلغلهم في عمق الحياة الاجتماعية والسياسية ، حتى إنّنا وجدنا أبا جعفر المنصور ( كما يحدّثنا التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة ) يتّخذ حاجباً له من الفرس ، يفرض عاداتهم ، ويبدو أنّ الحاجب في ذلك العصر يمتلك سلطة كبيرة ، حتى إنه يضرب من شمّت الخليفة ( أي دعا له بالرّحمة عند العطسة ) وحين شكي إلى المنصور ، قال : « أصاب الرَّجلُ السُّنّة وأخطأ الأدبَ » ، فيعلّق التوحيدي قائلًا :
« وهذا هو الجهل ، كأنّه لا يعلَمُ أنّ السُّنّة أشرفُ من الأدب ، بل الأدبُ كلُّة في السُّنّة ، وهي الجامعة للأدب النبويّ والأمر الإلهي ، ولكن لما غلبت عليهم العزّة ، ودخلتِ النُّعَرةُ في