« أنا ألحنُ ، ولكن كلّمُوني على المعاني إن كان لكُم إليها سبيلٌ » ، فنسمع التوحيدي يقول مستهجناً « قد مضغَ الدّاركي ذاتَ بطنِهِ بهذا الكلام ، لأنّ المعاني ليست في جهة والألفاظ في جهةٍ ، بل هي متمازجةٌ متناسبةٌ . . . فمن ظنّ أنّ المعاني تخلص له مع سوء اللّفظ ، وقبحِ التأليف ، والإخلال بالإعراب ، فقد دلّ على نقصِه وعجْزِه » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 290 ) .
وهو هنا يثبت ما توصلت إليه المناهج النقدية الحديثة اليوم ، إذ لا يمكن الفصل بين الشكل ( اللفظ ) والمضمون ( المعنى ) وأنّ أي خلل لغوي لابدّ أن يؤدّي إلى خلل في المعنى .
كان التّوحيدي يتمتّع بحساسية لغوية ، لذلك لم يكن يغضّ النظر خطأ يسمعه ، ولم تعرف عنه المجاملة في اللّغة ، مهما كلّفه ذلك من معاناة ، وقد حدّثنا عن أعجمي يدّعي العلم ، قال له : اقعُد حتى تتغدَّى بنا ! فأجابه : لا أبلاني اللّهُ بذلك ! ثمّ شرح له الخطأ الذي أتَى به والصّواب الذي لم يوفّق إليه ، فكانت نتيجةُ هذا التوضيح أن استهجن الأعجمي ذلك ، وابتعد عنه وأغلق بابه دون التّوحيدي ، لذلك نسمع تبرّمه به : « فأفٍّ له ولأضْرابه ، فما شين الدّنيا والدّينُ إلّا بقوم هذا منهم ، رزقنا اللّهُ الأدبَ الذي به نعلم ما نقولُ ، وإليه نَفزع فيما نعملُ ، وكفانا شرَّ كلّ ذي شرٍّ بمنّه . . . » ( المصدر نفسه 1 : 224 ) .
إذن أدعياء العلم المغرورون الذين يوصدون أبوابهم دون المعرفة أساؤوا إلى اللّغة ، ومثل هذه الإساءة تعني لدى التّوحيدي إساءة للدّين والدّنيا ، من هنا نستطيع أن نفهم خصوصيّة اللّغة العربية في الحضارة الإسلامية ، ورغبة المسلمين ، سواء أكانوا من العرب أم من غير العرب في نقلها ، لذلك سمّى التوحيدي أمثال هؤلاء الجهلة والدخلاء بآفة اللّغة فهم : « يستعملون الألفاظَ ولا يعرفون موقعَها ، أو يُعجبُهم الاتّساعُ ويجهلون مقدارَه أو يَروقُهُم المجازُ ويَتعدّون حدودَه . . . وهذه الخلالُ تجدُها في قومٍ عدموا الطّبعَ المنقادَ في الأوّل ، وفقدوا المذهبَ المعتادَ في الثّاني . . . » ( المصدر نفسه 1 : 69 ) .
إنّه يعرض بالعرب والعجم معاً ، فالعرب فقدوا الطّبع بسبب بُعدهم عن جزيرتهم ، والعجم لم يتبعوا القواعد التي أوجدها العلماء لحفظ العربية وانتشارها بصورة صحيحة .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 204
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٠٤