تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
قد يستغرب البعض أمر الخليفة بعدم الإعراب ، لكن هذا الخليفة المعروف بالفصاحة ، والذي كان يقول : « شيَّبَني صُعودُ المنابر » ، بدأ يلاحظ الضعف يشيع في اللغة العربية بعد أن ترك العرب جزيرتهم ، ودخل الإسلام الكثير من الموالي ، لذلك يبدو لنا أنّه أمر بعدم الإعراب لكثرة الخطأ فيه ، لكن يفاجأ بإنسان من الموالي فصيح ، يعلن انتماءه الرّوحي إلى اللّغة العربية ، ونسبه غير عربي . يلفت نظرنا هنا ، اقبال العامّة على تعلّم العربية واتقانها إلى درجة يختلط الأمر على الخليفة في تعيين هويتهم ، فيسأله : أمن العرب أنت أم من الموالي ؟ ويبدو أنّه في عصر أبي حيّان بدأنا نلمح ظاهرة عدم اتقان نطق العربية لدى بعض الوزراء أو كبار القوم ، ففي « الصّداقة والصديق » يحدّثنا عن صديقه أبي الوفاء أن : « ما يقعُدُ به عن المؤانسة الطيّبة والمساعدة المُطربة ، والمفاكهة اللَّذيذة والمُواتاة الشهيّة ، أنّ لفظَه خراسانيٌ ، وإشارتَه ناقصةٌ ، هذا معَ ما استفاده بمقامه الطَّويل ببغداد ، والبغداديُّ إذا تَخرسَنَ كان أحلى وأظرفَ من الخراساني إذا تبغْدَدَ ، وإن شئتَ فضعٍ الاعتبارَ على من أردتَ ، فإنّك تجد هذا القولَ حقّاً ، وهذه الدعوةَ مسموعةً » ( التوحيدي ، الصّداقة والصديق 77 ، التوحيدي ، الامتاع والموانسة 1 : 28 ) . كان عدم اتقان العربية عاتقاً إجتماعياً يمنع الإنسان من مجالسة الناس ومسامرتهم ، وقد أورد هنا ملاحظة تبدو لنا نتيجة معاشرته الطويلة لأصدقاء من الفرس ، وهى أنّ اللُّكنة الفارسية حين تشوب العربية ثقيلة على السمع والقلب ، على نقيض اللّكنة العربية حين تشوب الفارسية ، ويبدو أنّ التوحيدي واثقٌ من ملاحظته هذه كلّ الثقة ، لذلك يدعو المتلقّي إلى التجربة السمعية ، فسيصل مثله إلى هذه الحقيقة . وقد وجدنا التوحيدي يذمّ اللكنة الأعجمية لدى العلماء وعدم فصاحتهم من أمثال أبي حامد المروروزي ، كما كان يذمّها لدى الوزراء من أمثال ( الفضل بن سهل ) وزير المأمون . تتجلّى دقّة ملاحظة التوحيدي وموضوعيته في كونه لاحظ أنّ الركاكة اللّغوية ليست وقفاً على الفرس ، وإنّما بدأت تنتشر لدى العلماء العرب ، فقد وصف الفقيه الشافعي البغدادي الذي يُدعى ( الدّاركي ) بأنّه « ركيكُ اللّسان » بل ينقل لنا قوله :
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 203 | مهدي عابدي