في الكلام الإفادةُ ، وجُلّ الأممِ على هذا ، والثاني : تحسينُ الإفادة ، والتّحسينُ تارةً يكون بمعاني التّوكيد ، وتارةً بمعاني الحذفِ . . . وهو للعرب خاصّة ولباقي الأممٍ عامّة ، وقد اشتمل القرآنُ على هذا كلّه ، وعلى ضروبٍ أخرى لم تكن في عادة القوم فاشيةً . . . » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 294 ) .
يحدّد لنا ابن العميد وزير ركن الدولة البويهي أنّ ماهيّة البلاغة تكمن في الانتقال بالكلام من المستوى العادي إلى مستوى الجميل عن طريق التحسين ، وقد اهتمّ العرب بتحسين لغتهم عبر عدّة وسائل ، خاصّة بعد نزول القرآن الكريم بلغتهم إذ قدّم لهم طرائق جديدة في التعبير ممّا أضاف وسائل جديدة إلى وسائلهم البلاغية لم تكن معروفة لديهم ، وذلك من أجل إبراز جماليات اللّغة القرآنية .
إذن يبدو لنا أنّ الجانب الديني هو الذي منح العربيّة تلك المكانة الرفيعة ، وقد كان القاسم المشترك بين العلماء والأدباء وعامّة الناس هو إعجابهم باللّغة العربية واندفاعهم إلى تعلّمها بل اتقانها إلى درجة أصبح علماؤها الكثيرون من غير العرب مثل ( سيبويه وابن فارس والسيرافي . . . ) .
لعلّ المدهش في ذلك العصر أنّ الحكّام الذين لا ينتمون إلى العرب يشترطون الكفاءة في اللّغة العربية ولكن دهشتنا تزول حين نعرف قوة الأثر الديني في ذلك العصر ، ممّا يدفعهم إلى تقديس العربيّة لغة القرآن الكريم ، ومثل هذه الملاحظة لا تنطبق على القرن الرابع فقط ، إنما لاحظناها منذ عهد الأمويين ، رغم ما عرف عنهم من تعصّب للعرب علي غيرهم ، فقد حدّثنا التوحيدي عن محمّد بن شهاب الزّهري :
« كنتُ عند عبد الملك بن مروان ، فدخل عليه رجلٌ حسنُ الفصاحة ، فقال له عبد الملك : كم عطاؤُك ؟ قال : مئتا دينار ، قال : في كم ديونك ؟ قال : في مئتي دينار ، قال : أما علمتَ أنّي أمرتُ أن لا يتكلّم أحدٌ بأعراب ؟ قال : ما علمتُ ذلك ، قال : أمن العرب أنتَ أم من الموالي ؟ قال : يا أمير المؤمنين إن تكن العربيّة أباً فلستُ منها ، وإن تكن لساناً فإنّي منها ، قال : صدقتَ ، قال تعالى : بلسانٍ عربيٍ مُبين » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 2 : 332 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 202
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٠٢