ومُضافةٌ إلى الرّسول ( ص ) الذي ختم اللّه - عزّ وجلّ - به الأنبياءَ ، جعلنا اللّه - عزّ وجلّ - من زُمرته ، كما جعلنا من أمَّته . . . » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 363 ) .
إذن اكتسبت اللّغة هذه المحاسن بفضل الدّين الإسلامي وبذلك نسمع هنا صوت الإنسان المؤمن الذي يدعو اللّه أن يكون يوم القيامة مع الرسول وأمّته وزمرته ، وهو لا ينسى أن يبيّن لنا أنّ ترتيل القرآن بالعربيّة إحدى العبادات المهمّة في الإسلام ، وبذلك يشكّل الجانب الديني عاملًا أساسياً لتقديس اللّغة العربية ويجعلها من أجمل اللّغات وأفضلها .
يحاول التوحيدي ألّا يظهر لنا أنّه متفرد في إعجابه بها ، فقد وجدناه ينقل لنا إعجاب علماء عصره وأدبائه بهذه اللّغة ، الذين كان معظمهم من الفرس ، ففي كتابه « المقابسات » نجده يسأل أستاذه ( أبا سليمان ) : « فهل بلاغةٌ أحسن من بلاغة العرب ؟ فقال : هذا لا يبيّن إلّا بأن نتكلّم بجميع اللّغات على مهارةٍ وحذق ، ثمّ نضعُ القِسطاسَ على واحدةٍ واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها ، ثمّ نَحكُم حُكماً بريئاً من الهوى والتقليد والعصبيّة والميْن ، وهذا ما لا يطمحُ فيه إلّا ذو عاهةٍ ! ! ولكن قد سمعنا لغاتٍ كثيرةً من أهلها ، أعني من أفاضلهم وبُلغائهم ، فعَلَى ما ظهر لنا لم نجد كالعربيّة ، وذلك لأنها أوسعُ مناهجَ ، وألطفُ مخارجَ ، وأعلى مدارجَ ، حروفها أتمّ ، وأسماؤُها أعظمُ ، ومَعانيها أوغَلُ . . . ولها هذا النّحو الذي حِصّتُهُ منها حصّةُ المنطق من العَقل . . . » ( التوحيدي ، المقابسات 83 ) .
يأتي التّوحيدي هنا بكلام عالم العلماء ( السجستاني ) ليبعد شبهة الإنحياز إلى العربيّة عن نفسه ، ثمّ نجد أستاذه يمعن في الموضوعيّة أثناء الإجابة ، فيبيّن أنّ الأمر يحتاج إلى اطّلاع على سائر لغات العالم لتحديد أكثرها بلاغة ، وبما أنّ ذلك مستحيل فإنه اكتفى بالسّماع عن فصحاء اللغات الأخرى ، ليصل إلى نتيجة نزيهة ، تقنع السّامع بموضوعيتها ، فهو لا يكتفي بتفضيله العربية ، وعددها أكثر اللغات بلاغة ، بل تتجلّى الرؤية العلمية لديه حين يعدّ الأسباب التي دفعته إلي اتّخاذ هذا الرأي ، أمّا الإنحياز إليها لها فقد ظهر حين أحاطها بأفعال التفضيل .
سنجد الأديب ( ابن العميد ) الملقّب بذي الكفايتين ( الوزارة والقلم ) ، يجيب عن تساؤل العالم اللّغوي ( ابن فارس ) : « أين مزيّةُ كلامِ العرب على جميع ما لأصناف العَجم ؟ . . . إنّ الغرضَ الأوّل
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 201
مساهمون: مهدي عابدي
ص٢٠١