تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
« لهُ خَلائقُ بيضٌ لا يُغيِّرُها * صرفُ الزمانِ كما لا يصدأُ الذهبُ »
( التوحيدي ، الصداقة والصديق 17 ) . إنّ الصّداقة لا تعترف بالوحدة المكانية أو الفكرية أو المهنية ، فقد تنشأ بين النّاس رغم اختلاف بلدانهم ومذاهبهم الدّينية أو الفكرية أو أعمالهم ، المهمّ أن يكون هناك أساس روحي يجمع الصّديقين ، ويتجلّى هذا الأساس عبر الخلق الرفيع . إلى جانب الروح الدينية ، التي تؤسّس الأخلاق الرفيعة والتي تتوحّد بفضلها النفوس المؤمنة ، كانت اللّغة العربية أبرز مظاهر التمازج الحضاري في القرن الرابع الهجري بين العرب والفرس وغيرهم من الأقوام ، فقد كانت اللّغة العربية لغة عالمية تشمل الفنون والعلوم المختلفة ولم تكن أهميّتها في ذلك العصر تنبع من الموقع السياسي للعرب ، فقد باتت مقاليد الأمور في يد الفرس ، وإنما اكتسبت أهميّتها من كونها لغة الدّين الإسلامي الذي أصبح يشكل هويّة الشعوب كلّها سواء في ذلك العربية أو الأعجمية . وضع التوحيدي اللغة العربية في أرفع مكانة ، فقد رآها لغة مثلي بألفاظها ومعانيها وأصواتها ، فقد كان مأخوذاً بها إلى درجة يظنّ المرء المتتبّع لبعض كتبه ( وخاصّة « البصائر والذخائر » ) أنّه أمام عالم لغوي ، أو أمام معجم متنقّل للّغة العربية ، لذلك حين نسمع رأيه في تفضيل العربية على غيرها لا نحسّ بأنه يعلن رأياً متعصباً وإنما رأي عالم متبحر ، فها هو ذا يقول في كتابه ( الإمتاع والمؤانسة ) : « سمعنا لغاتٍ كثيرةً . . . فما وجدنا لشيء من هذه اللغات نُصوعَ العربية ، أعني الفُرَج التي في كلماتها ، والفضاءَ الذي نجده في حروفها ، والمسافةَ التي بين مخارجها ، والمعادَلةَ التي نذوقها في أمثلتها ، والمساواةَ التي لا تُجحَدُ في أبنيتها . . . » ( التوحيدي 1 : 77 ) . في هذه الفقرة تلفت نظرنا صيغة الجماعة التي يتحدّث بها التّوحيدي بلسان علماء عصره ، فمثل هذا الرأي هو رأي علمي جماعي ، وهو يؤكّد أنّ العربية اجتمعت لها هذه المكانة لامتلاكها بُعداً تقديسياً وبعداً جمالياً في الوقت نفسه : « العربيةُ عندنا أحسنُ الألفاظ مخارجَ ، وأخفُّها على اللّسان ، وأوصلُها إلى الآذان ، وكلُّ هذه المحاسنَ تابعةٌ للشَّريعة التي جعلها اللّهُ تعالى تمامَ الشرائع ،