تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
وهكذا فإنّ الباحث الموضوعي يسمح لنفسه بذكر الأفكار التي ربّما كانت ناقضت رؤيته ، لكنّه يذكرها انتصاراً للحقيقة ، وبذلك يتّسع أفقه لذكر أو لسماع ما يناقض قناعاته دون أي حرج ، والدليل على اثبات ذلك في كتابه وإثبات ما يحاول جاهداً الوقوف فيه عند المحاسن والمساوئ للأمّة التي ينتمي إليها ، فإذا وجدنا من يشكّ في هذا الإنتماء ، فإنّنا لن نجد من يشكّ بانتمائه الثقافي إلى الفرس ، فقد تحدّث عن العرب في « المقابسات » قائلًا : « ألا ترى أنّ الشبعَ غريبٌ عندهم ، والرُّعبَ مذمومٌ منهم ؟ وهذه هي الحالُ التي فرّقتْ بين الحاضرة والبادية ، وقد زادتهم جزيرتَهم شراً ، لكنّهم عوَّضوا الفِطنة العجيبة والبيان الرّائع . . . » ( التوحيدي 255 ) وفي موقع آخر ، من هذا الكتاب ، ينفي التمييز بينهم ، ويجعلهم أمّة ذات صفات واحدة ، فقد وجدناه يسأل ابن خليل : « ما الأفخران ؟ قال : العرب والعجم » ( المصدر نفسه 187 ) وبذلك يقيم تصالحاً بين القوى المتصارعة ، حتى إنّه في « الهوامل والشّوامل » يجعل العرب والعجم في مرتبة واحدة ويصفهما بالصفات نفسها ، فيتساءل : « لم اغترّت العرب والعجم في مواقف الحروب وأيّام الهياج ؟ والاغتراء هو الانتساب إلى الآباء والأجداد وإلى أيام مشهورة ، وأفعال مذكورة ؟ . . . » [ وقد كانت إجابة مسكويه تتّسع بصورة عامّة حتى تشمل كلّ إنسان ] : « الغضبُ يكون في الإنسان بالقوّة إلى أن يخرجه إلى الفعل . . . » ( التوحيدي ، الهوامل والشوامل 255 ) . إنّ هذه النظرة المنفتحة على المعرفة والإنسان تؤكّد لنا أنّ الصّراع بين العرب والفرس لم يكن صراعاً حادّاً ، كما قد يظنّه دعاة القومية المتعصّبون ، فقد كان لهؤلاء جميعاً هويّة إسلامية تجمع بينهم ، كما كان هناك عدوّ مشترك لهم ( الروم ) يؤلّف بين قلوبهم ، خاصّة في لحظة الخطر ، وقد وجدنا التوحيدي يحدّد بعض صفاته على لسان العرب في « البصائر والذخائر » مشيراً إلى الملامح الجسدية والنفسية له فيقول : إنّ أبناء هذا العدوّ : « زُرقُ العُيون ، سودُ الأكباد ، صهبُ السِّبال « 1 » »
هامش
( 1 ) - صهبة السِّبال : شقرتها وحمرتها ، وهي من خواصّ الروم ، كناية عن عداوتهم ( الجاحظ ، البرصان والعرجان 552 ) . « صهب السّبال كناية عن الأعداء وقال الأصمعي صهب السبال وسود الأكباد يضربان مثلًا للأعداء وان لم يكونوا كذلك . قال ابن قيس الرّقيات :إن تُرينى تغيُّر اللّونِ منّى * وعَلا الشيبُ مِفرَقى وقَذا لي فَظِلالُ السُّيوف شيَّبْنَ رأسي * واعتناقي في الحربِ صهب السِّباليقال : « أصله الرّوم لانّ الصهوبة فيهم وهم أعداء العرب . » ( الميداني 1 : 408 ) .