استطاع التوحيدي أن ينقل لنا مشاهد من المحاورات تنقل لنا لقطات من الحياة الاجتماعية والثّقافية في عصره ، فنري فيها بعض مظاهر الصّراع بين العرب والفرس ، خاصة أولئك الذين لم يؤمنوا بالدّين الإسلامي إيماناً راسخاً ، وكان التوحيدي يدعوهم بالثنويّة ففي الإمتاع والمؤانسة الجزء الثالث ، نجد عربياً يعيّر رجلًا من أبناء الفرس قائلًا : « ما يقول الشعرَ منكم إلّا من كانت أمُّهُ زنى بها رجلٌ منّا ، فنزع إلينا ، فقال له الثَّنويُّ : وكذلك كلّ من لم يقُل الشعرَ منكم ، فإنما زَنى بأمّه رجلٌ منّا ، فحملتْ به فنَزَع إليها ومن ثمّ لم يقُل الشعرَ » ( التوحيدي 3 : 126 ) .
ينقل لنا هذا المشهد مظاهر صراع ثقافي اجتماعي خفيّ بين العرب والفرس ، إذ يبدو أنّ العربي يفخر على الفارسي بقول الشعر ، وأنّ من يقول الشعر من الفرس فبسبب اختلاط نسبه بالعرب عن طريق غير مشروع ، فيأتي جواب الفارسيّ من جنس الاتهام متميّزاً بسرعة البديهة ، إذ يرد على العربي انتقاصه ويطعن بشرف كلّ عربي لم يقل الشعر .
الذي يلفت نظرنا هو أنّ الثّنوي رغم عدم إيمانه بالإسلام إلّا أن ثقافته إسلامية ، وتعمّقه بالقرآن الكريم يسعفانه في الردّ على العربي الذي يقول له : « رأيتُ في النّوم أني دخلت الجنّةَ فلم أرَ ثنوياً ، فقال له الثّنوي : أصعدتَ الغُرف ؟ قال : لا ، قال : فمِن ثمّ لم ترَهُم ، هم في الغُرف » ( المصدر نفسه ) . وبذلك يردّ على المسلم الذي يفخر عليه من منطلق إسلامي ، يردّ عليه بالمفاهيم الإسلامية نفسها !
رغم ما لاحظناه في الليلة السّادسة من دفاع التوحيدي عن العرب ، فإنّنا نجده في كتابه « البصائر والذخائر » قد أورد قولًا في ذمّ العرب ، على لسان غيره ، كما فعل في ذمّ الفرس ، ففي أول كتاب إبراهيم الإمام : « إحذروا العربَ ، فإنها لم تزل مُعْنِتاً مذ بعث اللّه محمداً صلى اللّه عليه وآله وسلم فينا » ( المصدر نفسه 1 : 129 ) ، وفي كتابه « الإمتاع والمؤانسة » يتعجّب من أمر العرب « تأمرُ بالحلم مرّةً ، والصّبر والكظْم مرّةً ، وتحثُّ بعد ذلك على الانتصاف وأخذ الثأر . . . » ( التوحيدي 3 : 98 ) . لكنّه سرعان ما يبيّن أنه ليس في جميع الأخلاق شيء واحد يحسن في كلّ زمان ومكان ، ومع كلّ إنسان ، بل لكلّ ذلك ظرف وحال .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 197
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٩٧