أيّ الناس وجدتهم أشجع ؟ فقال : كلّ قوم في إقبال دولتهم شجعان ! . . . وهذا الاعتبارُ يَنساق من شيءٍ عامٍّ لجميع الأمم . . . » ( المصدر نفسه 1 : 75 ) .
التوحيدي هنا كأنّه يشير إلى ما يسمّى بالحس العامّ واللّاشعور الجمعي ، الذي يوجد بين الناس ويكوّن وجدانهم ويحفّزهم على العمل المشترك ، ويمنحهم صفات متقاربة ! تختلف حسب قوة الأمّة وضعفها ، ثمّ يبيّن لنا حقيقة إنسانية عامّة وهي أنّ هذه الفضائل التي تتمتّع بها أمة ما : « ليست لكلِّ واحدٍ من أفرادها ، بل هي الشّائعة بينها ، ثمّ في جملتها مَن هو عارٍ منها جميعها » ( نفس المصدر 1 : 74 ) ، فهو يوضّح لنا أنّ التّباين لا يكون بين الأمم فقط ، بل ينسحب على الأفراد في كلّ أمة ، وبذلك يرفض تعميم المكارم أو الرذائل على جميع الناس ، ويشير إلى وجود قرابة غير محسوسة بين الأفراد في جميع الأفراد الذين ينتهجون مكارم الأخلاق ، كما تنشأ قرابة بين أولئك الذين يتّبعون الرذائل !
هناك ملاحظة دقيقة ، يمكن أن تندرج أيضاً في ضمن موضوعات علم النّفس وعلم الاجتماع أيضاً ، تشمل علاقات الإنسان الفرد بغيره من الأفراد ، كما تشمل العلاقات بين الدّول ، إذ يشير التوحيدي إلى أنّ إصلاح الأمّة يكون بوجود عدوّ رقيب ، يحصي عيوبها ويشيعها ، فتحاول الأمة حماية نفسها بتوقّي المساوئ والابتعاد عنها ، لذلك شاعت مآثر العرب لكونهم يعيشون في مناخ عدائي ، لذلك لجأوا إلى توقّي « المعايِر والمعايب . . . ولم يخلُ أحدٌ قطّ من وليّ مؤدب ، أو عدوّ مؤنّب ، أو تقريعٍ بخطأ أو تهجينٍ بنقصٍ إلّا من أهمل نفسَه ، ومن عادة الإهمال الهلاكُ ، وقلّ من تحفّظَ فسلم من إضاعة ، فكيف به إذا أضاع التحفّظُ من نفسِه وأمنه من غيرِه » على حدّ قوله في « الصداقة والصديق » ( التوحيدي ، الصداقة والصديق 129 ) ، فالإنسان كالأمّة بحاجة إلى الإحساس بأنّ هناك من يترصّد عيوبه ( سواء أكان عدواً أم منافساً ) فيحاول تجنّب ما يسيء إليه ، ويدفع العيب عنه ، ولا شكّ أنّ العلاقة المتوترة مع الأمم الأخرى تدفع الأمة إلى إصلاح ذاتها ، كي تقوى على مواجهة الآخرين ، كذلك نجد أنّ الإنسان يحتاج إلى الإحساس بأن هناك من يراقبه ( مؤدّب أو عدوّ ) فيحاول أن ينأى بنفسه عن العيب .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 196
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٩٦