نفسها ، وبذلك يحدّد لنا التوحيدي مظاهر العصبيّة الفكرية التي تقضي على الحوار ، فتهبط به من علياء الفكر ، لتحوّله إلى مهاترات ، لذلك يبيّن لنا أن العصبيّة في الحق ممجوجة . تسيء إلى صاحبها ، فكيف إذا كانت عصبيّة تقوم على الباطل ، وهنا يشير إلى أنّ تعصّب الجيهاني للفرس باطل ، وينزّه نفسه من أن يكون متعصّباً مثل خصمه ، إنّه يحاول أن يرى الحقّ فيمدحه ، ويرى النّقص فيشير إليه ، وبذلك يجسّد لنا صورة العالم الحقيقي الذي يعتزّ بالحقّ ، ويبعد عنه الجهل والتقصير .
لذلك يبدو لنا وقد اجتمعت لديه صفات عالم النفساني والاجتماعي معاً ، فقد استطاع أن يوضّح لنا في اللّيلة نفسها أنّ النّاس في تفضيل أمّة على أمّة لم يصلوا إلى اتّفاق لأنّ : « الفارسي ليس في فِطرته ولا عادتِه ولا منشئِه أن يعترف بفضل العربيّ ، ولا في حيلة العربي ودَيْدَنه أن يقرّ بفضل الفارسي . . . » ( المصدر نفسه 1 : 73 ) . لكنّه يعترف بحقيقة إنسانية خالدة بقوله :
« لكلّ أمّةٍ فضائلُ ورذائلُ » ولا يكتفي بهذا الكلام النظري العامّ ، بل نجده يلجأ إلى التخصيص ، فيبيّن فضائل كلّ أمة قائلًا : « فللفرس السياسةُ والآدابُ والحدود والرُّسوم ، وللرّوم العلم والحكمة ، وللهند الفكرُ والرؤية والخفّة « 1 » والسحر والأناة ، وللتّرك الشجاعة والإقدامُ وللزَّنج الصبر والكدُّ والفرحُ ، وللعرب النَّجدة والقِرى والوفاء والبلاء والجود والذّمام والخطابة والبيان » ( المصدر نفسه 1 : 74 ) .
ألا يلاحظ القارئ ، هنا ، ميل التوحيدي نحو العرب ، رغم السياق الموضوعي الذي يتحدّث فيه عن فضائل جميع الأمم ، فنجده يمنح العرب من الصفات تسعاً وهي أكثر من الصفات التي وصف بها الأمم الأخرى !
لكنّه رغم ذلك يذكرنا بأنّ حال الأمم في تبدّل وتغيّرٍ حسب الفترة التاريخية التي تعيشها ، فكلّ أمّة لها زمان على ضدّها . . . « ولهذا قال أبو مسلم ( الخراساني ) صاحب الدّولة ، حين قيل له :
هامش
( 1 ) - يريد بالخفّة : الشّعوذة . فإنها خفّة في اليد .