الكتبُ لليونان لا يمكن أن يَدّعيها للفُرس ، ولو فعل ذلك لجوبَهَ بالمكروه وقوبِلَ بالقَذع . » ( المصدر نفسه 1 : 89 ) .
وبهذه الصورة يردّ التّوحيدي في دفاعه عن العرب حجج الجيهاني بحجج قوية وبصراحة ، دون أن يخفى نفسه وراء أقوال الآخرين ، معتمداً منطق الشّريعة الإسلامية المرجع الأساسي والحكم الفصل بينه وبين خصمه ، إنّنا أمام حوار بين خصمين يختلفان في الرأي يتّسم بالموضوعية وباحترام الآراء ، لكن التّوحيدي قد ينحرف عن هذا الأسلوب الرّاقي في الحوار ، وحينئذٍ يبدو لنا حذراً ، يخفي رأيه الخاصّ وراء آراء الآخرين ، إذ ينسب أقواله إلى الآخرين ، خاصّة حين يمدح العرب أو حين يذمّ الفرس بكلام يتجاوز فيه حدود الموضوعية ، كقوله مختتماً حواره في ليلته ( أي الليلة السّادسة ) : « قال أبو حامد : ما ظنّك بقومٍ يجهلون آثار الطبيعة ، وأسرار الشريعة ؟ ما أذلّهم اللّه باطلًا ، ولا سلبهم مُلكَهم ظالماً ، ولا ضربهم بالخِزي والمهانة إلّا جزاءً على سيرتهم القبيحة ، وكذبِهِم على اللّه بالجرأة والمكابَرة ، وما اللّه بظلّامٍ للعبيد » ( المصدر نفسه 1 : 95 ) .
في الحقيقة قلّما نجد التوحيدي يتكلّم بمثل هذه اللّغة الجريئة التي تنأى عن الموضوعية ، وتسلخ المهجوّ من جميع الفضائل حتى إنّها تسلبه رحمة اللّه في الدّنيا والآخرة ! لعلّ مردّ هذه اللّغة استفزاز الخصم ( الجيهاني ) للتّوحيدي ، ولا شكّ أنّ التعصّب يولد تعصّباً ، لذلك نسمع التوحيدي يخاطبه :
« فليستحْيِ الجيهاني . . . من القَذَع والسَّفَه اللذيْن حَشا بهماكتابه وليرفع نفسه عما يَشين العقل ، ولا تقبله حُكّام العدل ، وصاحب العِلم الرَّصين لا يسلِّطُ خصمه على عِرضه بلسانه ولا يستدعي مُرّ الجواب بتعرُّضِهِ . . . فإنّ العصبيّةَ في الحقّ ربما خذلتْ صاحبَها وأسلمتْه وربّما أبدت عورتَه ، واجتلبت مساءَتَه ، فكيف إذا كانت في الباطل ، ونعوذ باللّه أن نكون لفضل أمّةٍ من الأمم جاحدين ، كما نعوذ به أن نكونَ بنقص أمّةٍ من الأمم جاهلينَ ، فإنّ جاحد الحقِّ يدلُّ على مهانة ، وجاهل النقص يدلُّ من نفسه على قصورٍ » ( المصدر نفسه 1 : 85 - 86 ) .
في هذه الفقرة نلاحظ روح التعاليم الإسلامية التي ترى في السّفه والقذع أثناء الحوار مع الطّرف المخالف إساءة إلى العقل ، ونفياً للعدل وإزراء بالعلم ، لأنّها تمنع الانسان عن الردّ بالطريقة المقذعة
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 194
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٩٤