لا يكتفي التوحيدي بردّه هذا ، وإنما نجده ينقد الجيهاني في أفكاره ليبيّن انحرافها عن الصواب ، فيعلّق على قوله في مدح الفرس والثناء عليهم وذمّ العرب قائلًا : « ممّا يدلّ على شرفنا وتقدّمنا وعزّنا وعلوّ مكانتنا ، أنّ اللّه أفاضَ علينا النعمَ وبوّأنا الجنانَ والأريافَ . . . ولم يفعل ذلك بالعرب ، بل أشقاهُم وعذّبهم في جزيرةٍ حَرجَة . . . » ( المصدر نفسه 1 : 86 ) . فيجيبه التوحيدي رادّاً الأمور إلى حقائق كونيّة مبيّناً أنّ قيمة الإنسان لا تكون بالمكان الذي يسكنه بقوله :
« ألا يعلم أنّ المدار على العَقل الذي مَن حُرِمه فهو أنقص من كلِّ فقير ، وعلى الدّين الذي من عَرِيَ منه فهو أسوأ حالًا من كلِّ موسر ، ونعمة اللّه على ضربين : أحد الضربين عمَّ به عبادَه ، وغَمَرَ بفضله خليقَتَه ، بدءاً بلا استحقاق ، وذلك أنّه خَلَق ورَزَقَ . . . وهذا هو العدل المخلوطُ بالإحسان . . . والضرب الثاني : هو الذي يُستحقُّ بالعمل والاجتهاد والسعي والإرتياد ، ليكون جزاءً وثواباً ، ولهذا حَرَم العاصيَ المخالف وأنال الطائعَ الموافق ، فقد بان الآن أنّ المدار ليس بالجِنان والترفُّه ، ولا بالذّهب والفضّة ولا بالوَبَر والمَدَر . . . » ( المصدر نفسه : 1 : 78 - 88 ) .
يبيّن لنا التوحيدي من خلال المنطق الذي اعتمده الجيهاني أنّ الجيهاني يعتقد - غير معتمد على دليل - بهذا المنطق وهو أنّ البصير أشرف من الأعمى والغنيّ أفضل من الفقير ، ثمّ يبرز له حقيقة قد غابت عن ذهنه ، خاصّة أنه متّهم في دينه وهذه الحقيقة هي حقيقة الدين الإسلامي الذي يقوم على العدل ، لذلك لن يكون فيها مقياس تفوّق إنسان على إنسان أو قيمته بما هو خارج عن إرادته كامن في الطبيعة ، بل ما يستطيع أن يقدّمه للآخرين منطلقاً من الإيمان والعمل الصالح اللذين هما أساس العقيدة الإسلامية ، هنا يلاحظ أنّ الهجوم على العرب كان يتمّ من قبل أولئك الذين يطعن في دينهم ، أولئك الذين قبلوا الإسلام غير متعمّقين فيه .
والتوحيدي أيضاً يردّ على الجيهاني الذي يتّهم العرب بالأمّيّة والجهل ، بأنهم لا يملكون « كتاب إقليدس ولا المجسطيّ ولا الموسيقى ولا كتاب الفلاحة ، ولا الطّب . . . » بقوله : « أليست هذه
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 193
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٩٣