تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
يصف الفرس على لسانه : « قومٌ عُلّموا فَتعلَّموا ، ومُثّل لهم فامتثلوا واقتدوا . . . ليس لهم استنباطٌ ولا اسْتخراج » ( المصدر نفسه 1 : 71 ) . يعتقد أبوحيّان بالموضوعية لذلك يرفض في البداية أن يجيب صراحةً سؤال الوزير ( الفارسي ) فيتوارى خلف ابن المقفّع الذي يصفه قائلًا : « هو أصيلٌ في الفرس عريقٌ في العجم ، مفضّلٌ بين أهل الفَضل . » ( المصدر نفسه 1 : 70 ) . وبذلك يوهم المتلقّي بحياديته في البداية ، لكنّه بعد ذلك يتعجّب من صنيع ( الجيهاني « 1 » ) وهو وزير للسّامانيين ، يظهر الإسلام ويبطن الكفر ، الذي ألّف كتاباً يسبّ فيه العرب ويفضح مساوئهم ، فهم : « يأكلونَ اليَرابيعَ والضّبابَ والجُرذانَ ، ويتعاورُون « 2 » ويتساوَرون ، ويتهاجَون ويتفاحَشون ، كأنّهم قد سُلِخُوا من فضائل البَشَر ، ولبسوا أُهُبَ الخَنازير . . . ولهذا كان كسرى يسمّي ملك العرب « سَكان شاه » أي ملكِ الكلاب . . . » ( المصدر نفسه 1 : 79 ) . فيردّ عليه أبو حيّان مدافعاً : « أتراه لا يعلم لو نزل ذلك القفرَ وتلك الجزيرة وذلك المكان الخاوِي . . . كلُّ كِسرى كان في الفُرس ، وكلُّ قيصرَ كان في الرّوم . . . ما كانوا يَعدُون هذه الأحوال لأنّ من جاعَ أكل ما وجد . . . حبّاً للحياة وطالباً للبقاء . . . » ( المصدر نفسه 1 : 79 - 81 ) . فالطّبيعة القاسية أجبرت العرب على مثل هذا الطّعام ومثل هذه التصرّفات التي تقوم على الصّراع فيما بينهم ، كلّ ذلك من أجل الحفاظ على الحياة ، وهذه حال إنسانية عامّة لا تخصّ العرب وحدهم ، بل من الممكن أن يعيشها أرقى الناس ، فيما لو عاشوا مثل هذه الظّروف القاسية . ثمّ إنّ التّوحيدي يبيّن لنا أنّ العرب إذا جادت الطّبيعة عليهم : « تنافسوا في أفعال المعروف » وهم حين ظهرت بينهم النبوّة « تحوّلت محاسنُ الأمم إليهم ، وكيف وقعت فضائلُ الأجيال عليهم » ( المصدر نفسه 1 : 84 ) .
هامش
( 1 ) - اسمه محمد بن أحمد كان وزيراً للسامانيين ، قال فيه ياقوت : كان اديباً فاظلًا شهماً جسوراً وقال ابن النديم : إنه من رؤساء المتكلّمين الذين يظهرون الزندقة ويصنفون في نصرة المجوسية . ( 2 ) - يتعاورون ، أي يذكر بعضهم عورة بعض .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 192 | مهدي عابدي