وممّا يدهشنا هنا تلك المقدرة والجرأة على إعلان عيوب أهل سجستان ، فالعالم الذي ينتمي إلى سجستان يخجل من أن يحذّرنا من حقد أهل مدينته ، أو مساوئ المدن الأعجمية الأخرى ، لذلك هو ينقل صفاتهم على أقوال الآخرين .
ثمّ إنّ التوحيدي نقل لنا في كتابه الإمتاع والمؤانسة ، أشدّ حالات الصّراع الفارسي العربي أثناء الفتوحات ، فنسمع الحوار الذي دار ( عن طريق الرسائل ) بين سعد بن أبي وقّاص ورستم صاحب الأعاجم الذي هاجم العرب المسلمين وذمّهم فقال : « أنتم كالذُّباب إذ نظر إلى العَسل ، فقالَ من يوصلني إليه بدرهميّن ، فإذا نشبَ فيه ، قال من يُخرجني منه بأربعة ، وأنت طامعٌ والطمعُ سيُرديكَ . . . » ( التوحيدي ، الامتاع والموانسة 3 : 102 ) .
فردّ عليه سعد ابن أبي وقّاص قائلًا : « إسلامكُم أحبُّ إلينا من غنائمكم ، وقتالُكم أحبُّ إلينا من صلحِكم » ( المصدر نفسه ) .
فالتوحيدي هنا ينقل لنا وجهة نظر الفرس الذين قاتلوا المسلمين هذه الوجهة التي ترى أنّ الجانب المادي لا الرّوحي كان من أسباب الفتوحات الإسلامية ، وبذلك قدّم قول رستم الذي أساء به إلي المسلمين ، بل نقل لنا تكبّره واحتقاره للعرب وتشبيهه العرب بالذّباب .
استطاع أبوحيّان في الإمتاع والمؤانسة ، أن يسجّل لنا نبض الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في عصره أي القرن الرابع الهجري ، فبيّن لنا مظاهر الوفاق بين العرب والفرس ، ومظاهر الصّراع بينهما ، وكيف اتّسم هذا الصّراع بالتوتّر والبغض أحياناً ، فبدأنا نلاحظ وجودكتب في ذمّ العرب وسبّهم مثل كتاب الجيهاني كما يروي التوحيدي في كتابه « الإمتاع والمؤانسة » . كذلك نجد أنّ هذا الموضوع وهو الصّراع بين العرب والفرس بات من المواضيع الحيوية التي كانت تستحقّ النقاش في مجلس الوزير ، ابن سعدان ، ففي الليلة السّادسة يسأله أبو سعدان التوحيدي : « أتفضّل العرب على العجم أم العجم على العرب ؟ » ( المصدر نفسه 1 : 70 ) .
فيأتي جوابه بشكل دبلوماسي ، على لسان الأديب ( ابن المقفّع ) في تفضيل العرب ، لأنهم « أعقلُ الأمم لصحّة الفطرة واعتدال البُنية وصواب الفكر وذكاء الفهم » في حين وجدناه
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 191
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٩١