تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
لعلّ المقصود بصفة الجهل التي أطلقها التوحيدي على القومسي - في الصّداقة والصديق - أنها مرادفة لعدم الإبتكار ، ومحدودية أفقه ، إذ يهمّه الجمع والتصحيح وتكرار أقوال الآخرين ، وبذلك تنتفي صفة التناقض التي يدركها القارئ بادئ ذي بدء . لم تقتصر هذه الصّورة الحيّة والراقية التي خصّها التوحيدي بعلماء ذلك العصر الذين ينتمون إلى لفرس ، بل نجد هذه الصّورة تشمل البُسطاء من الناس أيضاً ، فقد حدّثنا ( في الليلة الثالثة من « الإمتاع والمؤانسة » ) عن شيخ خراساني يسوق الجِمال عائداً من الحجّ ، وقدشاهد الوزير ابن بقيّة مصلوباً على جِذع ، وقد صلبه الملك عضد الدولة ، فقال : « لا إله إلّا اللّه ، ما أعجبَ أمورُ الدُّنيا وما أقلَّ المفكّر في عِبَرِها ، عضدُ الدَّولة تحتَ الأرض وعدوُّه فوق الأرض ! وبفضل كلمات هذا الشّيخ الحكيم تمّ دفنه ! » ( المصدر نفسه 1 : 46 ) .

3 - 4 - 3 - مظاهر الصّراع العربي الفارسي :

من المعروف أنّ الصّراع العربي الفارسي كان قد ظهر منذ العصر الأموي ، واستمرّ في العصر العباسي ومعروفٌ مدى انفتاح الجاحظ وتمثّله الفكر الإسلامي ، حين قام بتصوير الفرس بطريقة موضوعية في كتابه « البخلاء » ليتابعه تلميذه التّوحيدي الذي يكنّ له كلّ إعجاب ، فيتتبع تمثّله للروح الإسلامية بكلّ ما لها من الحريّة ، فنجد لديه نوادر تخصّ البخلاء ، وإن كانت بنسبة أقلّ ، وسيركّز الضوء على أهل « مرو » كما فعل الجاحظ : « حكى لنا ابن أسادة قال : كان عندنا رجلٌ أعمى يطوفُ ويسأل فأعطاه مرَّةً إنسانٌ رغيفاً ، فدعا له ، وقال : أحسن اللّه إليك ، وبارك عليك . . . ورَدّ غربتَك ، فقال له الرَّجل : لِمَ ذكرتَ الغُربة في دعائك ، وما علمُك بالغُربة ؟ فقال : الآن لي هاهُنا عشرونَ سنة ما ناوَلَني أحدٌ رغيفاً صحيحاً » ( المصدر نفسه 2 : 123 ) . فهو يمدح كرم الرّجل الغريب ، ويذمّ بخل أهل المدينة الذين كان يعيش بين أظهرهم ، فهؤلاء لا يتصدّقون على الفقير برغيف كامل ، وبهذا يؤكّد التوحيدي هذه الصّفة على لسان أستاذه أبي سليمان السجستاني : « كنّا نحفظ ونحن صغارٌ : إحذروا حقدَ أهل سجستان ، وحسدَ أهل هراة ، وبخلَ أهل مرو . . . » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 127 ) .