تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
ينتقد التوحيدي محاولة أستاذه مسكويه ادّعاء العلم في كلّ شيء ، لأنّ ذلك يفضي به إلى عدم الدقّة في القول ، وممّا يفسد آراءه أيضاً محاولته الاستناد على أقوال ذوي السلطة ( المهلّبي ، ابن العميد . . . ) يريد بذلك أن يمنح آراءه قوّة خارجة عن سياقها ، فيمارس نوعاً من الإرهاب الفكري يوجّهه إلي السّامع ، وهذا ممّا يسيء إلى شخصية العالم ويُزري بها ! لأنّ المرجع الأساسي للعالم المعرفة والتعلّم لا أقوال ذوي السلطة حتى لو كانوا من الأدباء ! يبدو لنا التّوحيدي مهتمّاً بالجانب الخلقي للعلماء ، فها هو ذا يذمّ ابن شاهويه : « ليس هناك كفايةٌ ولا صيانةٌ وديانةٌ ولا مُروءةٌ ، فهو مشؤوم نَكَد ، ثقيلُ الرُّوحِ شديدُ البُهْت « 1 » » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 47 ) . في هذه الفقرة نلاحظ أنّه يشترط أن يكون العالم ، إلى جانب كونه عالماً يجب أن يكون ذا خلق رفيع ، عذب الكلام ، حلو المنطق ، خفيف الروح ، حتى إنّنا نجده يصف أبا بكر القومسي الفيلسوف قائلًا : « وهو بجهله مع خِفّة روحِه ، وقُبح وجهِهِ أدخَلُ في العَين ، وألصقُ بالقَلب من غَيره مع عِلمه ، وحُسن ظاهِرِه » ( التوحيدي ، الصداقة والصديق 14 ) . فهو ينتبه إلى قضية الحضور الجذّاب للعالم ، لأنّه يمثّل بحضوره يستطيع أن يؤثر في المتلقّي بشكل أقوى فقد كان العالم المدرس هو وسيلة العلم الأساسية في ذلك العصر . ثمة بعض التناقض في وصفه لبعض رجالات عصره ، فإذا كان قد وصف القومسي في « الصداقة والصديق » بالجهل ، فإنّه يصفه في « الإمتاع والمؤانسة » « حسنِ البلاغة ، حلوِ الكناية ، كثيرِ الفِقَر العَجيبة ، جمّاعةٍ للكتب الغريبة ، محمود العناية والتّصحيح والإصلاح والقراءة ، كثير التردّد في الدّراسة ، إلّا أنّه غيرُ نصيح في الحكمة ، لأنّ قريحتَة تُرابية وفِكْرتَه سحابيّةٌ . . . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 34 ) .
هامش
( 1 ) - البهت ، أي الكذب .