والرأي ، والتّدبير ، والنظر ، والإرادة ، والاختيار ، والعادة ليزيد على حال توأمين تراكضا في رحِمٍ ، وتراضَعا من ثَديٍ ، ونوغيا في مَهد ، وما أخوفني أن يؤتى من جهتي ، أو أوتي من جهته ، وإنّ عاقبتَه موصولةٌ بعاقبتي ، لأنّي مأمنُه وهو مأمني ، وما أكثر ما يُؤتى الإنسان من مأمنه « 1 » » ( التوحيدي ، الصداقة والصديق 14 ) .
إنّنا أمام تلميذ يحبّ أستاذه أعظم الحبّ ، يرى حديثه أجمل ما في الدنيا ، كما أننا أمام صديق يمتزج روحياً وعقلياً مع صديقه ويبلغ هذا التّمازج أقصاه حين يشبه علاقته به بعلاقة التوأم بتوأمه ، فيجعلها أقوى من رابطة الدّم في أنصع تجليّاتها .
ولعلّ أروع مظهر لهذه الصّداقة هو تلك اللّغة المبدعة التي توحي إلينا باستثنائية العلاقة بينهما ، خاصّة حين يدعو صديقه بالمأمن ، نلمح في هذه المفردة قلق التوحيدي على هذه العلاقة ، وخوفه من تدميرها على يد الآخرين .
كان معظم علماء عصر التوحيدي أصدقاء له ، حتى إنّنا نجد لديه ظاهرة التأليف المشترك التي ما زلنا نفتقدها إلى اليوم ، فقد كان كتابه « الهوامل والشوامل » نتيجة جهد مشترك بينه وبين مسكويه ، وقد بناه على شكل أسئلة يطرحها التوحيدي عليه ، لكن هذه الأسئلة لم تكن تصدر من تلميذ إلى أستاذه ، إذ بدت لنا أشبه بحوار الندّ للندّ ، وهو رغم إعجابه بمسكويه لم يغفل عمّا يعيب العالم ، فيقول :
« أكره له المشاغبة في كلّ ما يجري ، لا يجدُ في نفسه من المكانةِ والقَرار ما يعلمُ معه أنّ مضاءَه في فنٍّ آخر هو فيه قصيرُ الباع ، بليدُ الطِّباع ، وصاحبُ هذا المذهب ممكورٌ به ، مصابٌ بجيّد رأيِه ، وقد أفسده . قال المهلّبي . . . قال ابن العميد . . . وما ذكره لهذين إلّا استطالة على الحاضرين ، والتشييع بذكر الرِّجال واضع من قال الرجال » ( التوحيدي ، الصداقة والصديق 28 - 29 ) .
هامش
( 1 ) - يضرب في المثل : « من مأمنه يُؤتى الحذرُ » هذا المثل يروى عن أكثم بن صيفي التميمي ، أي إنّ الحذر لا يدفع عنه ما لا بدّ له منه وإن جهد جهده ( الميداني 266 : 2 ) .