بعلماء زمانه نجده يقول : « أدقّهُم نظراً وأقعرُهم غَوصاً وأصفاهُم فِكراً ، وأظفرُهم بالدُّرر ، وأوقفهم على الغُرَر ، مع تقطّعٍ في العبارة ، ولُكْنةٍ ناشئة من العُجمة ، وقلّة نظرٍ في الكتب ، وفرط استبداد في الخاطر ، وحُسن استنباطٍ للعَويص ، وجرأة على تفسير الرّمز . . . » ( التوحيدي ، الامتاع والموانسة 1 : 33 ) .
تبدو لنا الحاسّة النقدية ، لدى التوحيدي ، دائمة الحضور ، وهو رغم إعجابه بشيخه إلّا أنه لا يغفل عن نقده ، فيبيّن محاسنه مع بيان تقطع عباراته وقلّة نظره في الكتب ، لكن اللّافت إلى النظر هنا ، نقد لهجة أستاذه ولكنة أسلوبه ، صحيح أنّه من أفضل العلماء وأعمقهم ، غير أنّه لا ينطلق بالحديث بسبب لُكنته الأعجمية ، التي يرى أنّ أسبابها ليس الأصل الأعجمي فقط وإنما قلّة قراءة الكتب ! !
من خلال نقد التوحيدي لأستاذه أبي سليمان السجستاني في العبارة السّابقة يبدو لنا أنّه يقدّر أخذ العلم بالسماع ، كما يقدّر أخذه بالنظر ( المطالعة ) لأنّ ذلك يتيح للمتعلّم أن يتلقّى علومه من المعاصرين عن طريق السماع ، ومن السابقين له عن طريق النظر ( القراءة ) لذلك نسمعه يمتدح كتاب ( أبي زيد البلخي ) فيقول : « لم أرَ في القرآن كتاباً أبعدَ مَرمى ، ولا أشرفَ معانٍ من كتاب لأبي زيد البلخي ، وكان فاضلًا يرى رأىَ الفَلاسفة ، ولكنّه تكلّم في القرآن بكلام دقيقٍ لطيفٍ ، وأخرج سرائرَ ودقائقَ وسمّاه « نظم القرآن » . . . ويُقال له « جاحظ خراسان » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 433 ) .
لنلاحظ التّمازج الثّقافي بين البلاد الإسلامية ، فعندما ينبغ عالم في خراسان يقرن اسمه بعالم نبغ في بغداد في زمن مضى هو الجاحظ ! حتى عناوين الكتب نجدها متشابهة ، إذ يقال إنّ للجاحظ كتاباً في نظم القرآن ما زال مفقوداً !
وعلاقة التوحيدي بأبي سعيد السّيرافي علاقة نادرة تجتمع فيها الصّداقة بالعلم ، فقد منحه أروع الصّفات العلمية والإنسانية بقوله : « عالم العالم ، وشيخُ الدّنيا ، ومُقنعُ أهل الأرض » ولذلك يصف علاقته به قائلًا : « وأما سيّدي أبو سعيد ( السيرافي ) فواللّه إني لأجد به وجداً أتّهم به نفسي ، . . . وإني أرى حديثَه آنَقُ من المنى إذا أدركتْ ، ومن الدّنيا إذا ملكتْ ، وإنّ تمازجاً بالعقل ، والروح ،
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 187
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٨٧