كيف يجب عليهم أن يعاملوا النّاس حسب مستواهم الثّقافي ووعيهم : « عامِلوا أحرَّ الناس بمحضِ المودّة ، والعامّةَ بالرّغبة والرّهبة ، وسَوّسوا السّفلة بالمحاوِر « 1 » صراحاً » ( المصدر نفسه 28 ) .
ترك التّوحيدي معاملة الأحرار ، وعوامل معاملة الخدم والعبيد ، لذلك وجدناه يختار من الحِكَم ما ينتصف له ، أوما يعزّيه ، لنتأمّل هذا القول لبزرجمهر : « ممّا يدلّ على أنّ القدر حق تأتّي الأمور لأهل الجهل ، وتحرّفها عن العلماء مع علمهم » . ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 24 : 1 ) .
ونظراً لأهمّية أقوال بزرجمهر وحكمه ، أحاط به المعجبون الذين استكثر بعضهم أن تنسب هذه الأقوال إلى بزرجمهر ، فأخذوا ينسبونها إلى من يستحقّها . ( المصدر نفسه 2 : 583 ) .
3 - 4 - 2 - علماء من فارس :
قدّم لنا التّوحيدي في كتبه النّشاط العلمي الذي كان منتعشاً في القرن الرابع الهجري ، ولا ندري إن كان يصحّ لنا استخدام مصطلح ( علماء فارسيّون ) في الحضارة الإسلامية التي اتّخذت العربية لغة الإبداع ، بل لو تأمّلنا العلماء الذين أبدعوا في علوم اللغة العربية لوجدنا معظمهم ينتسب إليها بالثّقافة لا بالدم ، لذلك من الأفضل أن نطلق عليهم لقب علماء مسلمين .
يبدو لنا أنّ هؤلاء العلماء كانوا معتزّين بأنسابهم ، وقد أورد التّوحيدي ، في مقدّمة الجزء الثاني من البصائر والذخائر ، قول أحمد بن الطّيب السّرخسي ، الذي ينتمي إلى نواحي خراسان ، وكان تلميذاً للكِندي ، ومولىً للخليفة المعتضد قائلًا : « أحمد بن الطّيب لا يحبُّ أن يُخطئ أحدٌ إسمَه وإسمَ أبيه ، وولاءَه ، والبلدَ الذي فيه مولدُه ومولدُ أبيه ، ثمّ بعد ذلك قيمتَه ومقدارَه من العِلم . . . » ( التوحيدي 2 : 25 ) وفي الوقت نفسه نجد هؤلاء العلماء يحبّون اللغة العربية حتّى إنّ البيروني نجده يقول : « أن أُهْجَى بالعربية أحبُّ إليَّ من أن أُمدحَ بالفارسيّة » .
وقد كان معظم العلماء الذين تلقّى التوحيدي علومه على أيديهم من أمثال هؤلاء ، ولعلّ أهمّ شيوخه هو ( أبو سليمان السجستاني ) الذي يصفه في كتبه بأروع الصّفات ، وهو حين يقارنه
هامش
( 1 ) - المحاور : الخشبة .