تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
في مقابل الخليفة المتسامح أظهر التّوحيدي ملك الفرس ( أنوشروان ) حكيماً متسامحاً ، فقد رفع لأنوشروان أنّ النّصارى الذين يحضرون ببابه ، يعيبونه ويتّهمونه بالتجسّس ، فقال : « من لم يظهر ذنبُه لم تظهر منّا عقوبةٌ له » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 2 : 298 ) . إنّ الملك لا يأخذ الناس بالشّبهات ، ولا يسمع للنّمّامين ، إنّه يعامل الناس معاملة واحدة حتى لو كانوا مخالفين له ، حتى الذين يضمرون له العِداء ، يعاملهم على ما يظهرون له منهم لا على ما يبطنون . هذه المعاملة الراقية تقترب من روح الإسلام المتسامحة ، التي تجعل قيمة الإنسان في عمله لا في نسبه ، فقد أنّبت العامّة الملك الفارسي لتقديمه أحد الناس ، رغم أنه لا شرف له أصيل ولا نسب ، فيقول لهم : « إصطناعنا له نسبٌ » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . وتبلغ هذه الاخلاق الحميدة أقصى حدود التّسامح ، حين نجد الملك ( أنوشروان ) يتستّر على رجل سرق جام ذهب في مجلسه وحين تفقّده صاحب الشراب ، ولم يجده قال : « لا يخرجنّ أحد حتى يفتّش ، فقال أنوشروان : لا تعرضوا لأحد ، فقد أخذه من لا يردّه ، ورآه من لا ينمّ عليه » ( المصدر نفسه 2 : 1 ) . يبدو لنا أنّ حكمة هذا الملك وأقواله شكلت جزءاً من الثّقافة الإسلامية ، إلى درجة باتت تظهر في رسائل الأدباء ، وقد وجدنا التوحيدي يورد في « الصّداقة والصديق » رسالة للحسن بن مسلم إلى صديقه الذي عاتبه عاي ابتعاده عنه ، فنجده يقول : « غير أنّي أحيا بالتذكّر ورجاء مدى النّأي إلى اللّقاء ، وأجدُ عقْلي بما أفدتُ منك متقوّتاً زمناً طويلًا ، كقول أنوشروان : قُوتُ العقول الحُكم ، وقُوت الأجساد المطعمُ » ( التوحيدي 74 ) . كذلك تردّدت أقوال الوزير الحكيم ( بزرجمهر ) في كتابات التّوحيدي ، وسنلاحظ أنه لجأ إلى ذكر الكثير من الحكم التي تتعلّق بالعلاقات بين الناس ، خاصّة أنه عانى من توتّر العلاقة بينه وبين الآخرين ، فنجده يركّز على ما يداوي جراحه ، فيظهر لأصحاب السّلطة ، على لسان الوزير الحكيم ،