رأيتُ مثلَ خالد تبن برمك ، بلاغتُهُ أعرابيةٌ ، وطاعتُه أعجميةٌ ، وآدابُه عراقيةٌ ، وفصاحتُه شاميةٌ . . . » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 254 ) .
أمّا ابنه يحيى بن برمك الذي تسلّم مقاليد الأمور زمن هارون الرّشيد فقد وصفه التوحيدي في « الصّداقة والصديق » على لسان ( ثعلب ) أيضاً بصفات نادرة حتى كان في عداوته أنفع لعدوّه من صداقة غيره لصديقه ( التوحيدي ، الصّداقة والصّديق 1 : 5 ) .
من هذا الإطراء والثّناء في هذه العبارة يبدو لنا أنّ إعجاب التوحيدي بآل برمك كان كبيراً ، لكنه لم يصرّح به مباشرة ، فقد كان يأتي بأخبارهم عبر إسنادٍ لا ندري إن كان وهميّاً أم أنه يستند إلى ذوي العلم والأدب ، يقول مثلًا : « حدّثني كرامة قال : قدم علينا رجل من ولد معدان بن عبدالمغني ، وكان شاعراً قد نال من البرامكة ، فقلنا له : كيف تركتَ آل برمك ؟ قال : تركتهم وقد أنست بهم النعمةُ حتى كأنّها منهم أو بعضهم » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 480 ) .
ولوعُدنا أكثر إلى الوراء ، إلى زمن العِداء بين الإسلام والفرس في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ، لوجدنا التّوحيدي يحدّثنا عن ذكاء القائد الفارسي ( الهرمزان ) الذي هزم في معركة القادسية ، وحين أُسرَ و « أراد الخليفة قتله استسقى ماءً ، فأتي به اليه ، فأمسك القدح في يده واضطرب ، فقال له عمر : لا بأس عليك ، إنّي غير قاتلك حتى تشربه ، فألقى القدح من يده ، فأمر عمر بقتله ، قال : أو لم تؤمني ؟ قال : كيف أمنتك ؟ قالت : قلت لا بأس عليك حتى تشربه ، فقولك : لا بأس ، أمان ولم أشربه . فقال الزبير وأنس وأبو سعيد الخِدري : صدق يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : قاتلك اللّه ، أخذتَ أماناً ولم أشعُر ! » ( المصدر نفسه 1 : 247 ) .
ينتهز القائد الفارسي الفرصة الأخيرة المتاحة له قبل الموت ( وهي طلب الماء ) ليجعلها سبباً في حياته ، فيوحي إلى الآخرين أنه خائف ، وهو يمسك القدح ، فيهدئ الخليفة من روعه ، ويعطيه الأمان حتى يشرب الماء ، فيرمي القدح ، ليكسب الأمان الذي أعطاه الخليفة إيّاه ! ! وبذلك يسعفه ذكاؤه بإنقاذ حياته ، كما تسعفه عدالة المسلمين الذين يقفون إلى جانبه في تفسير قول الخليفة وجعله أماناً له ، والأهمّ من ذلك سعة صدر الخليفة المسلم الذي يحترم كلمته حتى مع عدوّه الذي قاتل المسلمين ! ! .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 184
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٨٤