غير تقيّةٍ ولا تَحاشٍ ولا مُحاوبة « 1 » ولا انحِياش « 2 » ، فالكلفة في الخطاب وتفخيم المخاطب ترهق نفس المتكلّم وتذكر التوحيدي العالم بأنّه دون محدثه .
وقد سمح له الوزير بذلك قائلًا :
« إنّ اللّه تعالى على عُلوّ شأنه ، وبَسْطة مُلْكه ، وقُدرته على جميع خلقه - يواجَه بالتّاء والكاف . . . وكذلك رسولُهُ صلى اللّه عليه وآله وسلم ، والأنبياءُ قبله - عليهم السلام - وأصحابُهُ - رضى اللّه عنهم - والتّابعون لهم بإحسان - رحمةُ اللّه عليهم - وهكذا الخلفاء ، فقدكان يقال للخليفة : يا أميرَالمؤمنين أعزّك اللّه ، ويا عُمرُ أصلحك اللّه . . . وما عاب هذا أحدٌ ، وما أنِفَ منه حسيب ولا نسيب . . . وإني أعجب من قومٍ يرغبون عن هذا وشبهه ، ويحسَبون أنّ في ذلك ضعةً أو نقيصةً . . . وأظنّ ذلك لعجزهم وفُسُولتهم « 3 » » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 20 - 21 ) .
لاحظنا لدى التّوحيدي كبرياء المثقّف ، الذي يطمح إلى جعل نفسه مساوياً لأصحاب السّلطة ، على الرغم من مخالطته للعامّة وحبّه للغرباء ، وممّا رأيناه من استجدائه قوت يومه ! !
كما يتراءى لنا سبب إعجابه بالوزير ( ابن سعدان ) انّه يجمع إلى تواضعه تمسّكه بروح الدين الإسلامي ، فيتّخذ من إيمانه باللّه ورسوله هادياً له في الحياة ، كما يتّخذ من الخلفاء الراشدين قدوةً له في تعاملهم مع الناس ، فتلغي الرّوح الإسلامية السّمحة الفارق بين الحاكم والمحكوم ( المصدر نفسه 1 : 253 ) .
هذه الصّورة المشرقة التي رسمها التّوحيدي لمعاصره من الوزراء ( ابن سعدان ) سنجده يرسمها أيضاً لوزراءَ عاشوا في عصور عباسيّة سابقة ، كالوزير ( خالد بن برمك ) الذي يصفه بأروع الصفات « ما
هامش
( 1 ) - محاوبة : مؤاربة .
( 2 ) - انحياش : انقباض .
( 3 ) - الفسولة : الخسّة والضعف .