تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
إذ استخدم الوزير لغةً لا تنتمي إلى اللّغة المتوارثة عن الأجداد ، كما لا تنتمي إلى لغة الدّين الإسلامي ، اللافت إلي النظر هنا ، استخدامه لغة أهل الدّين ، إذ يبدو الدّين وقد أصبح نسباً يربط بين الناس جميعاً ، وقد تجلّى هذا النسب باللّغة العربية البعيدة عن التكلّف . رغم أنّ الوزيرين المهجويْن من فارس ، لكنّنا لم نلاحظ أنّ التوحيدي عاب عليهما هذه النسبة ، فلم يرد هذا الأمر ، إلّا في معرض الهجوم على الأسلوب الذي لم يكن أسلوباً فارسياً ولا عربياً ! وبالتّالي فإن ذكر الأسلوب الفارسيّ هنا لا يحمل أيّة دلالة سلبيّة . كذلك لا يبدو لنا التّوحيدي منتصراً للعروبة ضد فارسيّة الوزيرين ، فقد كان من مؤيّدي الأسلوب البعيد عن التكلّف ، والقريب من القلب ، وقد وجدنا في « مثالب الوزيرين » حين كان يتحدّث عن أخلاق ابن العميد ، وصفه بأنّه كان يخفي في قلبه « بُغضَ العربِ والأكَلَة » لأنّه كان بخيلًا ! ( المصدر نفسه 91 ) . من هنا نستطيع أن نلمح أنّ بغض العرب ، في زمن التّوحيدي ، كان من مثالب الأخلاق كالبخل تماماً ، وقد لاحظنا التزام التوحيدي الحياد بعد أن ذكر هذه المثلبة ، فلم نجده يعلّق على ذلك ، لا ندري ربّما لأنّ الحكام في تلك الفترة كانوا من غير العرب ، لكنّهم ما زالوا يقيمون للعرب بعض الوزن ، والدّليل على ذلك أنّهم حافظوا على الخلافة العبّاسية رغم ضعفها ؟ إذن من المستبعد أن يكون التوحيدي قد هاجمهما لكونهما فارسيين ، ومما يؤكّد ذلك أنّه مدح الوزير البويهي الآخر ( ابن سعدان ) الذي أكرمه ، ومنحه المكانة التي يستحقّها ، بل جعله ندّاً له ، لذلك لا يجد حرجاً من أن يشترط على هذا الوزير كي يبدأ مؤانسته بحديثه أن يؤذن له في كاف الخطاب ، وتاء المواجهة ، حتى يتخلّص من مزاحمة الكناية ومضايقة التّعريض ويركّب جَدَد « 1 » القول من
هامش
( 1 ) - الجدد بالتحريك : ما استوي من الأرض لا وعث فيه ولا جبل ولا أكمة ، شبه به القول الذي لا عوج فيه ولا التواء .