إنّ ما يلفت النظر أنّ التّوحيدي قد جانب الموضوعية في حديثه عن مثالب الوزيرين ، لأنه تحدّث بصراحة في هذا المضمار ، لذلك بيّن لنا سبب تجنيه : « إنّي رجلٌ مظلومٌ من جِهة ، وعاتبَ على معاملتي ، وشديدُ الغيظ لحرماني . . . فلوكنت معتدلَ الحالِ بين الرِّضا والغضبِ ، أوعارياً جملةً ، كان الوصفُ أصدقَ والصدقُ به أخلقَ . . . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 40 ) .
وقد كان عالماً بسطوة السلطة الحاكمة ، لذلك لم يحرّر الكتاب وينشره على الملأ إلّا بعد وفاة ابن عبّاد : « فإنّ جانبه مَهيب ، ولمكره دَبيب وقد قال الشاعر :
إلى أن يَغيب المرءُ يُرجى ويَتّقى * ولا يعلمُ الإنسانُ ما في المُغيّب »
( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . ورغم كلّ ذلك لم يتخلّ التّوحيدي عن موضوعية رجل العلم بشكل كامل ، لذلك نجده يتحدّث عن بعض الإيجابيّات التي لمسها عند ابن عبّاد ، فنجده يقول مثلًا : « إنّ الرَّجلَ كثيرُ المحفوظ ، حاضِرُ الجواب ، فصيحُ اللِّسان ، قد نتفَ من كلّ أدبٍ خفيفَ أشياءَ ، وأخذ من كلِّ فنٍ أطرافاً . . . وهوحسنُ القيام بالعَروض والقوافي . . . » ( المصدر نفسه 1 : 61 ) .
وفي هذا نجد التّوحيدي مصيباً في بعض نقده ، خاصّة حين نقد تكلّف ابن عبّاد اللّغوي ، الذي يبعد أسلوبه عن القلب ويغرقه بالسّماجة ! فقد أورد نقده الأسلوبي على لسان ( فيروزان المجوسي ) بعد أن سمع ابن عبّاد يقول له : « إذ أنت مُخش مُجش مُحشٍ ، لا تهشِ ولا تبشِ ولا تمتشِ ، فقال له فيروزانُ . . . كلِّمْنا بما نعقلُ على العادة التي يمليها العملُ ، واللّهِ ما هذا من لغة آبائك الفُرسِ ، ولا لغةِ أهلِ دينك من هذا السَّواد ، فقد خالطنا الناسَ فما سمعنا منهم هذا النَّمطَ ، وإني أظنُ لو دعوتَ اللّه بهذا الكلام لما أجابَكَ ! » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 74 ) .
الإستهجان اللّغوي لا يأتي على لسان عالم لغويّ كأبي حيّان ، وإنما لسان إنسان مجوسي ، لا باع له في اللّغة والفصاحة ، ومع ذلك يستغرب هذا النّمط من الكلام ، فيسخر من قائله ، لأنه يتكلّم لغةً لا هويّة لها ، وتصل السّخرية ذروتها حين يبيّن أنّ ابن عبّاد لو دعا ربّه بمثل هذه اللّغة الهجينة لما استجاب له ! !