تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
كما سلخ ابن العميد من جميع المكارم ، ولم يبقِ له إلّا الحسد والنذالة ، حتى النّواحي العلمية والأدبية التي عرف بها لم يبق له منها إلّا الجهالة والضّلالة ، وبذلك لم يكتف بأن يجعله يخسر دنياه بسبب صفاته هذه ، بل تعدّى ذلك إلى آخرته ، لأن صفات النّذالة والظلم ستجعله يخسر الآخرة أيضاً ، كما أبطل ادّعاءه بأنه فيلسوف يسير على خُطى الفلاسفة اليونانيين الذين قرنوا حكمتهم بسلوكهم الحميد . وقد نال الوزير ابن عبّاد من سهام التوحيدي أكثر من ذلك ، ربما لما ناله من إهانة على يديه ، فجسّد لنا غروره جاعلًا منه غبياً : « فيخدعُهُ الصبيُّ ويخلبه الغَبيُّ ، لأنّ المدخل عليه واسع ، والمأتي سهلٌ ، وذلك بأن يُقال : مولانا يتقدّمُ بأن أعار شيئاً من كلامه ، ورسائلَ منظومِه ومنثورِه ، فما جُبتُ الأرضَ إليه من فَرغانة ومصر وتفليسَ إلّا لأستفيدَ من كلامه وأفصحَ به . . . فسبحان من جمع العالمَ في واحدٍ . . . فتراه عند هذا الهذر وأشباهَه يتلوّى ويتبسَّم ، ويطير فرحةً ويتقسّمُ . . . وهو في كلّ ذلك يتشاكلُ ويتحايَل ويلي شِدقَه ، ويبتلع ريقَه ، ويَردُّ كالآخذ ، ويأخذ كالممتنع ، ويتمالكُ ويتقابلُ ويتمايلُ ، ويُحاكي المَومَسات « 1 » . . . » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 1 : 54 ) وقد وصفه في مكان آخر « المخنّث الأشمط » . ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 25 ) . يبدو لنا التّوحيدي وكأنّه كان على علم بنقاط ضعف ابن عبّاد ، والمفاتح التي يؤتى منها ، لكنّه مثقّف يحترم نفسه بقدر ما يحترم كلمته ، لهذا لم يمدحه متملّقاً ، بل حاول أن يبرز سعة علمه أمامه ، فكان جزاؤه الإهانة والإهمال ! ! وهو هنا لا يكتفي بأن يصفه بخفّة العقل كالصّبي ، بل نجده ينزع عنه كلّ صفات الرجولة فيصوّره بصورة هزلية ( كاريكاتورية ) تضعه مكانة المرأة المومس ! ! وهذا - باعتقادنا - قد أحسّ بأنه أفظع إهانة يمكن أن تلحق برجل !
هامش
( 1 ) - المومسات : النساء العاهرات .