تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
مقابل هذه الصّورة العامّة المستمدة من حكماء الفرس ، عثرنا ، بصورة خاصة ، على رجال السلطة والعلماء الذين ينتمون في أصولهم إلى الفرس ، وإن كانوا ينتمون في ثقافتهم إلى الحضارة الإسلامية ، كما ظفرنا بمعايشة مظاهر الصّراع والتّمازج الحضاري بين العرب والفرس ، كلّ ذلك بفضل علاقات التّوحيدي الغنيّة والمتشعّبة مع أبناء عصره ، فقد كان منفتحاً على الآخرين دون أن يمنعه عن ذلك اختلاف عرقي أو ديني .

3 - 4 - 1 - رجال السّلطة :

تبدو لنا السّلطة آخر عدوٍ لأبي حيّان التوحيدي ، فقد عرفنا ثلاثة وزراء كانوا له أعداء وهم : المهلّبي الذي نفاه من العراق لسوء عقيدته وابن العميد والصاحب ابن عبّاد اللذيْن احتقراه وعاملاه معاملة الخادم حتى إن الصّاحب ابن عباد قال له : حين مرّ على ديوان الوراقة الذي كان يعمل فيه التوحيدي ، وأراد أن يقوم لتحيّته ، فردّه قائلًا : « ليس مثلُك من يقوم لمثلنا ! ! متجاهلًا علمه وأدبه . » ( الحموي 15 : 46 ) وبذلك ناله أسوأ ما يمكن أن يناله مثقّف على يد السّلطة من اضطهاد معنويّ وماديّ ، رغم أنّ هذه السلطة كانت في معظمها من فئة الأدباء ، ومن المفروض أن تحتفل بالأديب وتنظر إليه على أنّه قرين لها ، لكنها خالفت المتوقّع فاضطهدت التّوحيدي ، ربما لأنها لم تكن ترغب أن يصل إلى مرتبتها أحد ، كما لم تكن تريد أن يخطئها أحد ، كما فعل التوحيدي نفسه مع ابن عبّاد ، لذلك بالغت السّلطة السياسية في إذلاله ، لكن التوحيدي ردّ الإهانة بإهانة بقيت على مرّ الأيام ، فألّف كتاباً سمّاه « مثالب الوزيرين » لم يترك سيئة تسلب المرء الشرف إلّا وألحقها بالصّاحب ابن عبّاد وابن العميد ، فها هو ذا يخاطب الأخير قائلًا : « هل عندك أيُّها الرجلُ المدّعي للعقلُ ، المفتخر بالمالُ والمُتعاطي للحكمة إلّا الحسدَ والنذالةَ ؟ تزعُمُ أنّك من شيعة أفلاطونَ وسقراط وأرسطوطاليس ، أوكان هؤلاء يضعون الدِّرهمَ على الدِّرهم . . . أو أشاروا في كتبهم بالجمع والمنعِ ومطالبة الضَّعيف والأرملة بالعَسف والظُّلم ، فيا مسكينُ إستحِ فإنَّك لا مع الشّريعة ولا مع الفلسفةِ وقد خسرت الدّنيا والآخرة . » ( التوحيدي ، مثالب الوزيرين 215 ) .