تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 178

مساهمون:

ص١٧٨

3 - 4 - صورة الفرس في كتاب « الإمتاع والمؤانسة » وفي آثار أبي حيّان الأخرى « 1 » :

وانطلاقاً من ثقافة إسلامية منفتحة ومن أجل الوصول إلى هدف انساني سامٍ قدّم أبوحيّان الفرس على الأمم الأخرى متمثلًا قول الإمام عليٍ عليه‌السّلام : « الحكمةُ ضالّةُ المؤمن ، فخُذ ضالّتَك ولو من أهلِ الشّركِ » ( المجلسي 2 : 99 ، 75 : 34 ، الرضي 481 ) . لذلك لمسنا الكثير من الحكم الفارسية واليونانية والمسيحية والمجوسية في كتبه ، فهو يبحث في حكمة الفرس عمّا يجعل حياة الأمّة أفضل « الفرسُ تقول : لم يجتمع ضعفاءُ إلّا قوُوا ، ولم يتفرّق أقوياءُ إلّا ضعفُوا حتّى يخضَعُوا » ( التوحيدي ، البصائر والذخائر 1 : 52 ) . وبما أنّ هذه الحكم تقود حياة الإنسان نحو الأفضل فإنّنا نراها تتنوّع في صيغة الخطاب فهي تستخدم ضمير الجماعة تارةً ، كما في الحكمة المذكورة أعلاه ، وتواجه المفرد المخاطب تارةً أخرى فقد : « كانت الفرس تقول : من قدر على أن يتحرّز من أربع خصال ، لم يكن في تدبيره خللٌ : الحرصُ والعُجبُ ، واتّباع الهوى ، والتّواني » ( المصدر نفسه 1 : 51 ) . وهنا نسمع صوت التوحيدي معقّباً على هذه الحكمة يقول : « لقد صدقت الفرسُ في هذا ، والأممُ كلُّها شركاءُ في العقول ، وإن اختلفوا في اللُّغات ، ولا أحدَ قد يطمحُ إلى الكمال ، ويُطاولُ إلى الفضل ، إلّا وهو يعلمُ أنّ الحرصَ يَسلب الحياءَ ، والعُجبُ يجلبُ المقتَ ، واتّباعُ الهوى يُورثُ الفضيحةَ ، والتّواني يكسبُ النَّدامةَ » ( المصدر نفسه ) . فهويلفت نظرنا إلى نسبة هذا القول الحكيم إلى الفرس عامّة ، ليؤكّد أنّ الاختلاف اللّغوي لا يعني تبايناً في العقول ، فالشّعوب جميعاً تملك الحكمة لأنّها تملك العقل .
هامش
( 1 ) - لمزيد من الاطلاع راجع : حمود ، ماجدة « صورة الآخر لدى أبي حيان التوحيدي » ومحمد حسين ، عبد الكريم « حوار الحضارات لدى أبي حيّان التوحيدي » .