هذه أبرز مواقف التّوحيدي من الأحوال الاجتماعية في عصره وهي تبيّن وقوفه إلى جانب العامّة في طموحاته لتحسين أوضاعها المادّية ومناصرته للجنس العربيّ على بقية الأجناس المتعايشة في المجتمع آنذاك ، كما تدلّ على شدّة تبرّمه بالفساد الأخلاقي الذي شمل الناس خاصّتهم وعامّتهم .
فهل لهذه المواقف أبعاد إصلاحية ؟
لا يمكننا الحديث عن مشروع وبرنامج إصلاحي وضعه أبوحيّان في كتاب الإمتاع والمؤانسة ، لأنه لم يكن شأنه مع الوزير ، ابن سعدان القيام بهذا الأمر وإنما كان مسامراً توجّه اليه أسئلة ومواضيع فيتولّى الإجابة عنها ، إلّا أنه كان يفصح عن آرائه بأساليب مختلفة وذلك ما يجعلنا نتحدّث عن طموحاته الإصلاحية .
فمواقف أبي حيان قد اتّسمت في أكثر الأحيان بعدم الرّضى بالواقع الاجتماعي الفاسد وذلك ما يعبّر ضمنيّاً عن تطلّعه إلى مستقبل أفضل وتوقّعه ظهور وضع اجتماعي صالح من أبرز أسسه :
- ضمان العيش الطّيب لكلّ طبقات المجتمع حتى لا يكون التّباين بين الخاصّة والعامّة في التّرف والفقر فاحشاً ، مثلما هو حال المجتمع في زمانه أي في القرن الرابع للهجرة ويتجلّى هذا الموقف في تعاطف التوحيدي مع العامّة .
- ومن أسسه أيضاً تكافل النّاس خاصّتهم وعامّتهم وتعاونهم على الخير لدفع كلّ الأخطار الداخلية والخارجية المهدّدة للمجتمع في أبرز دعائمه الأمنية والأخلاقية .
- وكذلك عودة المجتمع إلى التحلّي بالأخلاق العربية - الإسلامية من كرم وإيثار وأمانة وترحّم وتعاطف وغيرها من الأخلاق الفاضلة .
إنّ هذه الأسس تعيد إلى المجتمع الأمن الذي فقده والوحدة التي رحلت عنه بفعل الأهواء والتعصّب واندثار الأخلاق الفاضلة وتفشّي الأخلاق الفاسدة .
لكنّنا نؤكد أنّ هذه الأسس ليست سوى تمنّيات أفصح عنها المؤلّف قدر ما استطاع وليست برنامجاً واضح الخطوط والأهداف .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 177
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٧٧