والسّبب الأهمّ في نظر أبي حيّان في فساد الأحوال الاجتماعية والأخلاقية هو ضعف تأثير الدّين الاسلامي في الحياة اليوميّة للناس ، فغابت بذلك عدّة قيم كانت في الماضي دعامة قوة المجتمع الاسلامي . يصف المؤلّف أخلاق الناس في العهد الماضي بقوله :
« وكانوا يرجعُون إلى نقائبَ ميمونة وإلى ضرائبَ « 1 » مأمونة وإلى ديانات قويّة وأماناتٍ ثخينة « 2 » وكان لهم مع الله أسرارُ طاهرة وعلانيةٌ مقبولةٌ ومع عباد الله معاملةٌ جميلة ورحمةٌ واسعةٌ ومَعْدِلةٌ فاشيةٌ وكانت تجارتُهم في العلم والحكمة ، وعادتُهم جارية على الضِّيافةِ والتّكْرِمة وكانت شيمَتُهُم الصّفحُ والمغفرةُ وربحُهم من هذه الأحوال النجاةَ والكرامةَ في الأولى والعاقبةِ . » ( المصدر نفسه 1 : 17 ) .
وبنفس السبب يشرح الفساد الذي أدخلته أخلاق الأعاجم المجتمع لذا نراه يفضّل السنّة النّبوية على الآداب الأعجمية الجديدة ، لأن السّنة في رأيه جامعة للأدب النّبوي والأمر الإلهي ، يقول في نقده لميل أبي جعفر المنصور إلى الآداب الأعجمية :
« وهذا هوَ الجهلُ كأنّه لا يعلمُ أنّ السنَّةَ أشرفُ من الأدب ، بل الأدبُ كلُّهُ في السّنةِ وهي الجامعةُ للأدب النّبوي والأمرِ الإلهي . . . ولكن لمّا غلبتْ عليهم العزّةُ ودخلت النُّعَرةُ في آنافِهم وظهرت الخُنزُوانةُ « 3 » بينهم ، سمّوا آيينَ العجمِ أدباً وقدَّموا على السّنة التي هي ثمرةُ النّبوةِ . . . » ( المصدر نفسه 76 : 2 ) .
فالتّوحيدي إذن يرجع أصل الفساد الأخلاقي والاجتماعي - كما أرجع أصل الفساد السياسي - إلى سبب واحد وهو ضعف الدّين الاسلامي وفي هذا الموقف دليل على أنّ له مقياساً ثابتاً ينظر به إلى مختلف أوضاع العصر .
هامش
( 1 ) - الضرائب : الطبائع والسجايا ، الواحدة ضريبة .
( 2 ) - ثخينة : قويّة كما يقال في عكس ذلك : هو رقيق الدين ، أي ضعيفه .
( 3 ) - الخنزوانة : الكبر .