تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
نستنتج من هذه المقارنة أنّ التّوحيدي في معارضته للفساد الأخلاقي يتوقّ إلى وجود قيم أخرى قِوامها التديّن والأخلاق الحسنة ، ولهذا السبب استحسن شدّة الورع والتّقوي التي كان عليهما ابن سعدان ، فامتدحه ودعا له بالخير قائلًا : « وهو كثيرُ التألّه ، شديدُ التَّوقِّي ، يصومُ الاثنين والخميس ، فإذا كان أوّل رجب أصبَح صائماً إلى أول يومٍ من شوّال وما رأينا وزيراً على هذا الدَّأب وبهذه العادة لا منافقاٌ ولا مُخْلِصاً وقد قال الله تعالى : إنّا لا نُضيعُ اجرَ مَنْ أحْسَنَ عَمَلًا . تولّاهُ الله أحسنَ الولاية وكفاه أكملَ الكفاية إنه قريبٌ مجيبٌ » ( المصدر نفسه 2 : 79 ) . ولنفس السبب أيضاً أورد التّوحيدي أحاديث كثيرة عن القيم الأخلاقية الفاضلة مبيّناً محاسنها فذكر قول علي بن عيسى الرُّمّاني في العفّة : « العفّةُ واسطةٌ بين المقارَفَة والعِصمة والعصمةُ واسطةٌ بين البَشرية والملَكِيّة » ( المصدر نفسه 3 : 130 ) . وذكر قول بعض العرب في الفتوّة : « ليس الفتوّةُ الفسقَ والفُجُورَ ولا شُربَ الخمور وإنما الفتوّةُ طعامٌ موضوع وصنيعٌ مصنُوع ومكانٌ مرفوعٌ ولسانٌ معسولٌ ونائلٌ مبذول وعَفافٌ معروفٌ وأذيً مكفوف » ( المصدر نفسه 3 : 6 ) وذكر قول أمّ البنين أخت عمر بن عبد العزيز في ذمّ البخل : « أفٍّ للبُخْل لو كان طريقاً ما سَلكتُه ولو كان ثَوْباً ما لبستُه ولو كان سِراجاً ما استضأتُ به » ( المصدر نفسه ) . تعتبر هذه الأقوال المأثورة ثورة على تردّى القيم الأخلاقية والاجتماعية وطموحاً إلى سؤدد ورئاسة قيم بديلة موجودة في المجتمع الاسلامي وكانت قد مكّنته في الماضي أن يكون مجتمعاً خيّراً يتعاون فيه النّاس على شؤون دينهم ودنياهم ، فيتواصون بالخير ويتناهون عن الشرّ ويتراحمون في ما بينهم . ولم تقف مواقف أبي حيّان من الفساد الاجتماعي والأخلاقي عند حدّ النقد وإظهار العيوب ، بل تعدّاها إلى البحث عن الأسباب الأصلية لذلك الفساد .