فهو يقول معلّقاً على القيم الاجتماعية والأخلاقية التي سادت العصر : « وهذه كلُّها كناياتٌ عن الظّلم والتَّجديفِ والخَساسةِ والجهل وقلّة الدِّين وحُبّ الفَساد . » ( المصدر نفسه 1 : 18 )
هكذا كان أبوحيّان يقيّم عصره بعبارات تبيّن شدة معارضته للوضع الأخلاقي والاجتماعي السائد وهو يردّد في طيّات كتابه نقده لمختلف مظاهر فساد عصره ، مهما كان مصدرها ، فيتحدّث عن الفساد الأخلاقي عند رجال السياسة ويصف تهتّكهم وخوضهم في الشّهوات ، ليوضّح الأثر السّلبي لأعمالهم هذه في سياسة البلاد . كما أنه لم يتردّد في إبراز الفساد الأخلاقي عند العلماء ، فهذا أبو القاسم الدّاركي : « إتَّخذَ الشهادةَ مكسبَة وهو يأكل الدُّنيا بالدِّينِ ويغلبُ عليه اللّواطُ ولا يرجع إلي ثقةٍ وأمانةٍ ولقد تهتّك بنيسابورَ قديماً وببغداد حديثاً ، هذا مع الفَدامة والوِخامة ولقد ندّ « 1 » بجُعْل غلامٍ وهو اليومَ قاضي الريّ . . . » ( المصدر نفسه 1 : 141 ) .
وهذا متّى بن يونس القُنّائي ( ت عام 328 : ه ) : « كان يُملي ورقةً بدرهم مقتدريٍّ وهو سكرانُ لايعقلُ ويتهكّمُ وعنده أنّه في ربح وهو من الأخسرين أعمالًا ، الأسفلين أحوالًا . » ( المصدر نفسه 1 : 107 ) .
مع هذه القيم التي يستهجنها أبوحيّان نراه يورد قيماً أخلاقية أخرى يستحسنها وهي قيم تضاءل وجودها في المجتمع ، فها هو يقارن بين أخلاق أستاذه أبي سعيد السيرافي ( ت عام 385 : ه ) وأخلاق أبي علي الفسويّ ( ت 377 : ه ) إمام عصره في علم النحو ، ليبيّن فضل الأوّل على الثاني يقول : « وأبو علي يشرب ويتخالَعُ ويفارق هَدْيَ أهل العلم وطريقةَ الربانييّن « 2 » وعادةَ المتنسّكِين . وأبو سعيد يصومُ الدّهرَ ولا يصلّي إلّا في الجماعة ويُقيم على مذهب أبي حنيفة ويَلي القضاءَ سنين ويتألّه « 3 » ويتحرّج وغيرُه بمعزل عن هذا . . . » ( المصدر نفسه 1 : 132 )
هامش
( 1 ) - في الأصل « ندر » ولعلّ صوابه ما أثبتنا . وندّ : هرب .
( 2 ) - الربانيّ : المتألّه العارف بالله .
( 3 ) - يتألّه : أي يتعبّد ويتنسّك .