والمتأمّل في عنف مخاطبة التّوحيدي للجيهاني يتأكّد أنّ المؤلّف يدافع عن العرب لغةً وديناً وحضارة . ( المصدر نفسه 1 : 89 - 90 )
ويظهر في غير هذا الموضع من الإمتاع والمؤانسة دفاع التوحيدي عن الجنس العربي ونسبته الأخلاق الرذيلة إلى العجم وسلوكهم ، يقول واصفاً غلبة أخلاق العجم وعاداتهم على أخلاق العرب : « ألا تري أنّ الحالَ استحالت عَجَماً كِسروية وقيصريّة ؟ » ، ثمّ يتسائل : « فأين هذا من حديث النبوّة الصّادقة والإمامة الصّادقة ؟ » ( المصدر نفسه 2 : 76 ) .
إنّ هذا السّؤال يحمل في طيّاته موقف أبيحيّان وهو تفضيل الأخلاق العربية - ورمزها النبوّة والإمامة - على أخلاق العجم .
ومن دلائل مناصرة التّوحيدي للعرب أنّه مافتئ في كتابه يتحدّث عن أخلاقهم وآدابهم وحكمتهم ليذكر بالفضائل التي اندثرت في عصره ، فنراه يورد لعمر بن عبد العزيز في آداب الطعام قولًا هذا نصّه : « ليس من المروّة أن تستخدمَ الضّيفَ » ( المصدر نفسه 1 : 26 ) . والأمثلة في هذا المضمار كثيرة .
ويجب أن نؤكّد أنّ لموقف أبي حيّان هذا أبعاداً هاماً خاصّة ، إذا عرفنا أنّ هذا الموقف قد اتّخذه في مجلس ابن سعدان وزير صمصام الدولة البويهي .
والبويهيّون كما نعلم فرس حكموا أقاليم من البلاد الفارسية ، ثمّ حكموا بغداد بدءاً بسنة 332 : ه وانتهاءً بسنة 448 : ه .
فأهمية الموقف إذن أنه يعبّر عن شجاعة التوحيدي وجرأته في الجهر برأيه المناصر للعرب والمحقر للفرس في ظلّ دولة فارسية ، فكان الأمر يعتبر عنده مسأله مبدئية لا مجال لإخفائها مهما كانت الظّروف والنتائج .
إلى جانب موقف التّوحيدي من التّباين الطّبقي ومن الصّراع بين الأجناس ، نجد في كتاب الإمتاع والمؤانسة مواقفه من انقلاب القيم ومن الفساد الأخلاقي الذي اجتاح البلاد .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 173
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٧٣