تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
لهذا نجد التّوحيدي قد اتّخذ موقفاً واضحاً من الصّراع بين الأجناس ، فحاول في تحليله لخاصيّة كلّ جنس إبراز ايجابيّاته وسلبيّاته والتزام الموضوعية وعدم المحايلة في الحكم يقول : « لكلّ أمّةٍ فضائلُ ورذائلُ ولكلّ قوم محاسنُ ومَساوئ ولكلّ طائفة من النّاس في صناعتها وحَلّها وعقدها كمال وتقصير وهذا يَقضي بأنّ الخيرات والفضائل والشرورَ والنقائص مُفاضَة على جميع الخَلق ، مفضوضةٌ بين كلِّهم . . . ولا في جبلّة العربيّ وديدنه أن يقرّ بفضل الفارسيّ وكذلك الهنديّ والروميّ والتركيّ والديلميّ . . . » ( المصدر نفسه 1 : 73 ) . كان هذا منطق أبي حيّان في إجابة الوزير عن سؤاله المتعلّق بتفضيل أمّة على أمّة وبدل أن يأخذ في استعراض فضائل كلّ جنس ورذائله ليفاضل بينها ، أهمل الحديث عن الأجناس الأخرى وذكر فضائل العرب التي كانت لهم منذ قبل الإسلام من « الشّجاعة والنّجدة والذّمام والضّيافة والفِطنة والخَطابة والحميّة والأنَفَة والحِفاظ والوفاء والبذل والسَّخاء والتّهالُك في حبّ الثّناء والنَّكَل « 1 » الشّديد عن الذّمّ والهجاء ، إلى غير ذلك مما خُصّت به في جاهليّتها قبل الإسلام ممّا لا سبيل إلى دفعه وجُحوده والبُهْت فيه والمكابرة عليه . . . وقد سمعنا لغاتٍ كثيرةً . . . فما وجدنا لشيءٍ من هذه اللّغات نُصوعَ العربية ، أعني الفُرَج التي في كلماتها والفضاءَ الذي نجده بين حروفها . . . » ( المصدر نفسه 1 : 77 ) . وبتأمّلنا في الفضائل المذكورة نجد أنها تمجّد أخلاق العرب وشهامتهم وتكافلهم الاجتماعي وتضامنهم وبراعتهم الخطابية ممّا لا يدع مجالًا للشكّ في أنّ أباحيّان كان متعصّباً للعرب على بقيّة الأمم وخاصّة الفرس ، إذ إنّه في مخاطبته للوزير لم يتحدّث عن الأمم الأخرى إلّا حديثاً عابراً وقد ردّ على الجيهاني الذي ألّف كتاباً سبّ فيه العرب واتّسم ردّه بالحدّة والعنف ، فهو يذكر فضائل العرب أولًا ، ثمّ يعقّبها برذائل الفرس .
هامش
( 1 ) - النكل بالتّحريك : لغة في النكول ، أي النكوص عن الشئ والتنحّي عنه .