تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
فإذا تأمّلنا في كلمات ( الشرّ والفتنة والهرج والمرج والشيطان ) وبقيّة العبارات التي وصف بها أسود الزّبد نجد أن التّوحيدي غير راضٍ عن أعمال العيّارين وهو بذلك يعارض أبرز ثورة اجتماعية للعامّة صوّرها كتاب الإمتاع والمؤانسة ؟ فما هو السبب في هذا الموقف ؟ نجد في الكتاب ما يفسّر ذلك : فالعيّارون في ما يبدو قد استغلّوا فرصة الذّعر والاستياء الذي داهم الناس إثر مهاجمة الرّوم للبلاد للنّهب والسّلب والغارة ؛ فكأنهم أرادوا أن ينتقموا في ذلك الوقت من المجتمع كلّه ، لما أصابهم من فقر مادّي ومهانة معنوية وخذلان روحي ، فلم يميّزوا بين الغنيّ والفقير محدثين الفوضى العامّة والأزمة بالبلاد وقد كان أبوحيّان التّوحيدي أحد المغبونين والمتضرّرين من هذه الأعمال ، إذ قد داهم العيّارون بيته وسلبوا ما وجدوا فيه من مال وأثاث وقتلوا جاريته ، فبات الرّجل مُعدماً لا يملك « مع الشيطان فَجْرة ولا مع الغُراب نَقْرَة . » ( المصدر نفسه 3 : 16 ) . فهل نتوقّع من رجل أضحى مفلساً أن يؤيّد ثورة الذين نهبوه وسلبوه ؟ الجواب واضح إلا أنّنا رغم هذا الموقف المناهض لثورة العيّارين ، نجزم بأنّ المؤلّف مناصر للعامّة في توقّعها تحسينَ أوضاعها المادّية . ولعلّ مناصرته لها تتعدّى الجانب الاجتماعي لتكون مناصرة سياسية ، فقد دافع عنها لمّا غضب الوزير ابن سعدان من شدّة تتبّعها للأخبار السياسية ، فقد دافع عنها ورأى أنّ رجل السياسة يجب أن لايحنق على العامّة ، بل عليه أن يعذرها إذا حرصت على معرفة كلّ كبيرة وصغيرة من أخبار ملوكها ، لأنها ملكتهم نواصيها وخيراتها . والعلاقة بين الملك والرّعيّة علاقة محكمة مبنيّة على التوادّ والخير لا على الحفيظة والبغض والإحن ، يقول في هذه المعاني ناقلًا أحاديث أبي سليمان السجستاني : « وبسبب هذه العلاقة المحكَمَة والوُصْلَةِ الوِشيجَة لهجت العامّةُ بتعرّف حال سائِسها والنّاظرِ في أمرها والمالك لزمامِها حتّى تكون على بيانٍ من رَفاهة عيشِها وطِيبِ حياتها ودُرور مَوارِدِها ، بالأمن الفاشي بينها ، والعدلِ الفائضِ عليها والخير المجلوبِ إليها وهذا أمرٌ جارٍ على نظام الطّبيعة ومندوبٌ إليه أيضاً في أحكام الشّريعة . » ( المصدر نفسه 3 : 87 ) .