الخُلق ، الله الله في أمري ، أجبُرْني فإني مكسور ، إسقِني فإني صَدٍ ، أغثْني فإني ملهوفٌ ، شَهِّرني فإني غُفْل ، حلّني فإنني عاطل . قد أذلّني السَّفرُ من بلد إلى بلد وخذلني الوقوفُ على بابٍ باب ونَكِرَني العارفُ بي وتباعد عنّي القريبُ مني . » ( المصدر نفسه 3 : 227 ) .
ونجد أبوحيّان يقول في مقدّمة الكتاب : « نعوذُ بالله من الفَقر خاصّةً إذا لم يكن لصاحبه عِياذٌ من التّقو ولا عمادٌ من الصّبر ولا دِعامةٌ « 1 » من الأنَفة ولا اصطبارٌ على المرارة . » ( المصدر نفسه 16 : 1 ) ، فنتأكّد من خلال هذه الجملة أنّ الفقر خطب كبير وجب أن يحتمى أبوحيّان بالله منه .
إنّ رجلًا كابد الفقر وكافحه وذاق مرارة الخصاصة والحرمان والجوع ، لا يمكنه إلّا أن يكون مناصراً لأمثاله من الضّعفاء والفقراء والمساكين .
ولكن ، هل كانت مواقف التوحيدي دائماً مناصرة للعامّة ؟
لقد بينّا سابقاً أننا وجدنا وعثرنا في كتاب الإمتاع والمؤانسة على أنّ التوحيدي قد اتّخذ موقفاً مناهضاً لثورة العيّارين - وهم أشدّ النّاس خصاصةً ومهانةً وخذلاناً في المجتمع - فكلماته التي مرّت آنفاً - والتي وصف بها أعمال العيّارين تدلّ على ذلك يقول : « كلُّ ما كنّا فيه كان غريباً بديعاً عجيباً شنيعاً » ( المصدر نفسه 3 : 160 ) ويقول أيضاً : « حلّت النَّفْرةُ أعني وقعت الفِتنةُ وفشا الهرجُ والمرجُ » ( المصدر نفسه ) .
كما يصف الثّائر المعروف بأسود الزّبد قائلًا : « وظهر منهُ شيطانٌ في مَسْك إنسانٍ . . . » ( المصدر نفسه ) . وكما يقول فيه : « فمِمّا ظهر من حسن خُلُقِه مع شرِّه ولَعْنَته وسفكه للدَّم وهتْكه للحُرمة ورُكوبه للفاحشة وتمرُّدِه على ربِّه القادِر ومالكه القاهِر ، أنّه اشترى جاريةً كانت في النخّاسين عند الموصليّ بألف دينار . . . الخ » ( المصدر نفسه 3 : 161 ) .
هامش
( 1 ) - الدعامة : العماد .