مأكل ومشرب وغناء وجنس ؛ فوصفه قائلًا : « اغترَّ بشبابِه ولها عن الحَزمِ والأخذ بِهِ فيما كان أولى به وظنّ أنّ كفايَتَه تحفَظُهُ ونسَبَه من أبيه يكنُفُه وبراءتَه تحتجُّ له وذنوبَه الصغيرة تُغتَفُر ، لبلائه المذكور وغَنائه المشهور ومَشى فعَثَر ورابَ فخثُر . . . » ( المصدر نفسه 3 : 217 ) .
ولنفس الغاية نقد التوحيدي الوزير محمد بن بقيّة فبيّن أنّ من أبرز عيوبه إلى جانب الظّلم السياسي ، اغراقه في الملذّات إذ أنه « طارَ بجناح اللّهوِ والعَزْف والشّرب والقَصْف ومَلَّ نعمةَ الله عليه وضلَّ بين إمهالِ الله وإملائه ، فحاق به ما ذهبتْ عليه نفسُه ومالُه وخُرّبَ بيتُهُ وافتضح أهلُهُ . » ( المصدر نفسه 3 : 216 ) .
أمّا حديثه عن العامّة فهو مركّز في أغلب الأحيان على إبراز شدّة الحرمان الذي تعانيه وعلى ما يلحق أصحابها من فقر وخصاصة وجوع والهدف من إبراز هذه الصورة المقابلة لترف الخاصّة وحرمان العامّة ، إشعار أبي حيّان الوزير ابن سعدان عساه يجتهد للأخذ بيد المحرومين ولرفع مشاكلهم وفعلًا هذا هو ما حصل عندما خفّض الوزير من سعر الخبز إثر استماعه على لسان أبي حيّان لشكوى العامّة من الفقر والخصاصة والجوع ، فقال :
« واللهِ لأنظرنّ لها وللفقراء بمالٍ أطلقهُ من الخِزانة وأرسمُ ببيع الخبز ثمانية بدرهمٍ ويصلُ ذلك إلى الفقراء في كلّ محلَّة على ما يذكُرُ شيخُها ويبيع الباقون على السِّعر الذي يُقوّم لهم ويشتريه الغنيّ الواجِد . . . » ( المصدر نفسه 2 : 26 ) .
لهذا فإنّنا نعتبر أنّ التوحيدي يقف إلى جانب العامّة جنباً إلى جنب ويناصرها ويناشدها وهو يناقض هذا التّباين الفاحش بين المحظوظين والمحرومين وهذا الموقف لا غرابة فيه ، لاسيّما إذا عرفنا أنّ كتاب الإمتاع والمؤانسة يصوّر لنا شدّة الخصاصة التي عاشها المؤلف حتى إنّها حملته على الاستجداء وبيع ماء وجهه للخروج من الفقر . يقول مصوّراً ملله من الحرمان في رسالةٍ وجّهها إلي أبي الوفاء المهندس وأثبتها في نهاية الجزء الثالث من الكتاب :
« إلى متى الكُسَيرةُ اليابسة والبُقيلَة الذَّاوِية والقميصُ المرقَّع وباقليّ دربِ الحاجب وسَذابُ درب الرّوّاسين ؟ . . . إلى متى التأدُّمُ بالخبز والزَّيتون ؟ قد والله بحَّ الحَلقُ وتغيَّرَ
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 169
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٦٩