وقد أبدي التّوحيدي تحسراً عمّا آلَ إليه المجتمع من تشتّت واضطراب نتيجة تكاثر فِرقه وبثّها الرّعب والفساد بين الناس حتى « صار طالبُ الحقِّ حيرانَ ومحبُّ السَّلامةِ مقصوداً بكلّ لسانٍ وسَنانٍ » ( المصدر نفسه 2 : 77 ) وحتى شمتت بالاسلام الأممُ الأخرى من يهود ونصارى ومجوس ، يقول في هذا المعني : « ولا جرمَ شِمْتَ اليهودُ والنّصارى والمجوسُ بالمسلمين وعابوا وتكلَّموا ووجَدوا آجُرّاً وجِصّاً فبنَوا وسمعُوا فوق ما تمنَّوا فرَوَوْا . . . كما قال النبي ( ص ) : بدأ الاسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً ، فطوبي للغُرَباء من أمّتي . » ( المصدر نفسه 2 : 78 ) .
وما من شكّ في أنّ التحسّر يعبّر عن ضيقٍ هيمن على نفس أبيحيان التّوحيدي وقد خلّف :
« أنّه مرّ بي اليومَ حديثٌ يُضارعُ ما جرى مُنذُ ليالٍ في فسادِ الناس وحُؤُول الزَّمان ، وما دَهَمَ الخاصَّ والعامَّ في حديث الدِّين الّذي هو العمودُ والدّعامةُ في عمارة الدّارَيْن ، قد طال تعجّبي منه ، وصحّ عندي أنّ الداءَ في هذا قديم ، والوجعَ فيه أليم » ( المصدر نفسه 2 : 194 ) . الوجع هنا طبعاً مظهر من مظاهر الضّيق والألم النّفسي .
إنّ تأملنا في أسباب قلق التّوحيدي يؤكّد لنا أنّها أسباب عميقة لا تتعلّق بمظهر واحد من مظاهر الفساد الاجتماعي وإنّما هي متعلّقة بما آلت اليه أحوال النّاس الدينية والأخلاقية والاجتماعية من تراجع وتردّ وبهذا يكون قلق المؤلّف تعبيراً عن خوفه على غد المجتمع إزاء أقوام تتربّص به الزلّة والسقوط للطّعن في المجتمع والإطاحة به .
وهذا الموقف المتسّم بالخوف والقلق والضّيق يدّل على رفض التّوحيدي للوضع الاجتماعي السائد وعلى توقعّه ظهور وضع أفضل يكون فيه المجتمع آمناً على غده .
إلى جانب هذا الموقف العامّ الذي تبيّن لنا من تبرّم الكاتب بأحوال المجتمع ، نجد مواقف كثيرة أخرى اتّخذها التّوحيدي من خصائص الحياة الاجتماعية التي سبق التطرّق إليها .
ففي ما يتعلّق بالتّباين بين الخاصّة والعامّة ، نلاحظ أنّ حديث أبي حيّان عن ترف الأولى كان في إطار إبراز الفساد السياسي أو الأخلاقي لأفرادها ، من ذلك نقده لأبي الفتح بن العميد في آخر الكتاب ؛ فقد أراد أن يبيّن تلهّيه وغفلته عن شؤون الدّولة وانغماسه في ترف الملذّات من
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 168
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٦٨