1 - تفكّك المجتمع في بنائه الطبقي وفي وحدة الأجناس المتعايشة فيه .
2 - تحلّل القيم الأخلاقية فيه وسيطرة الميوعة على سلوك الناس .
ونتيجه لهذا نرى أنّ هذا المجتمع صار مهدّداً في كيانه إذ إنّه صار يفتقر إلى أشدّ ما يحتاجه اجتماع الناس من توادد بينهم وتعاطف وتراحم ومن حسن الخلق . والخطر الكبير المتربّص بالمجتمع خطر داخلي أكثر منه خارجّي .
فما موقف أبي حيان من هذا الوضع ومن الأخطار التي كانت تهددّ المجتمع الاسلامي .
3 - 3 - موقف التوحيدي إزاء الفساد الاجتماعي :
نشير هنا أيضاً إلى أنّ مواقف أبي حيّان التوحيدي من مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية متوزّعة عبر كلّ أقسام الكتاب ولهذا فقد عمدنا إلى جمعها وتحليلها ، فوقفنا إثر ذلك على أبرز آراء المؤلّف في أحوال مجتمعه ، ثمّ بينّا مدلولات الآراء إجتماعياً وحضارياً . لقد تفاعل أبوحيّان مع الأحداث الاجتماعية في عصره بكامل وعيه الفكري ونقده النفّاذ وكلّ تيقّظه الوجداني ؛ فجاء وصف الواقع الاجتماعي مصطبغاً برؤيته للمحيط الذي يعيش فيه . وأوّل ما يثير انتباهنا هو تركيز المؤلّف على إبراز مواطن الفساد ومواضع الضّعف والضّنك داخل المجتمع حتى لكأنّه يريد إبرازها ليعبّر بذلك عن رفضه لها وعدم رضاه بالقيم الاجتماعية والأخلاقية السائدة بين الناس .
ويطالعنا التوحيدي في مقدّمة الكتاب بالحديث عن « الشكيّة الطّويلة اللّاذعةِ والبليّة العامّةِ الشاملةِ . » ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 1 : 18 ) وهي شكيّة من انقلاب القيم ومن انعدام التّعاون والتضامن بين الناس ومن سيطرة النّزعة المادّية على المجتمع .
إنّ هذا الشكوى تعبّر عن ضيق أبي حيّان بوضع المجتمع الذي عاش فيه وهو ضيق شديد بلغ حدّ الألم وهذا الوضع أعتبره المؤلف « بليّة شاملة » لتأكيد عمق الفساد المهيمن على البلاد .
ومن مظاهر ضيقه وقلقه ، توقّفه على سرد علامات الفساد بمجتمعه وذلك صوناً لنفسه وقلمه عن تدوين أمور مخجلة ، يقول : « إلى غير ذلكَ ممّا يأنَفُ العالِمُ من تكثيرِهِ والكاتبُ من تَسطيرِه . » ( المصدر نفسه ) .