وقدأكّد هذه الصّورة عند حديثه عن رجالات عصره وعن أخلاقهم ، فبيّن فساد جلّهم ولا نجد له إلّا بعض الإستثنائات لرجال إمتازوا بالتّقوي وطيب الأخلاق من أبرزهم أستاذه أبو سعيد السّيرافي الذي كان فضلًا على نبوغه الفكري : « يَصُومُ الدّهرَ ولايُصلّي إلّا في الجماعة ويُقيم على مذهب أبي حنيفة ويَلِي القضاءَ سنينَ ويتألّهُ ويَتَحرّجُ وغيرُه بمعزلٍ عَنْ هذا » ( المصدر نفسه 1 : 132 ) .
وهو أيضاً في رأي التّوحيدي كان : « بعيدَ القَرين ، لأنّه كان يُقرأُ عليه القرآنُ والفقهُ والشّروطُ والفرائضُ والنحوُ واللّغةُ والعروضُ والقَوافي . . . وهو في كلِّ هذا إمّا في الغايةِ وإمّا في الوَسط » ( المصدر نفسه 1 : 133 ) .
ومن النّاس الذين وصف أبوحيّان حسن أخلاقهم وطيب معاشرتهم الوزير ابن سعدان ، فقد نبّه في أكثر من موضع بالكتاب إلى حسن أخلاقه من تواضع وتصاغر بين يدي الناس ( المصدر نفسه 1 : 22 ) وعفو وحلم وجود ( المصدر نفسه 3 : 223 ) وغيرها من الصّفات الحميدة . يقول التّوحيدي مخاطباً الوزير معجباً بأخلاقه : « وما هَذا من سجايا البشرِ إلّا أن يكونَ فاعلُ هذا نبيّاً صادقاً وَوليّاً لله مُجتبي » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
ونحن إذ نحترم شهادة أبي حيّان التّوحيدي فإنّنا نحترز بشأن مبالغته في إبراز فضائل ابن سعدان ولعلّ هذه المبالغة عائدة إلى الضُّغوط المتنوّعة والمتعددّة المسلّطة على أبي حيّان خلال تأليف الكتاب ، « فلا ننسى أن التأليف موجّه إلى أحد أصدقاء الوزير من ناحية وأنّ اباحيّان يرجوا من تأليفه تدخّلًا من أبي الوفاء عند الوزير ليذكره ببعض العطايا حتى تنفرج أحواله من ناحية أخرى . » ( أمين ، مقدمة الإمتاع والمؤانسة ، « م » ) .
لكنّنا رغم ذلك لا نشكّ في أنّ ابن سعدان تميزّ بأخلاق طيّبة .
وهذه الاستثناءات النادرة ، ليس لها تأثير كبير في أخلاق الناس الّذين دعتهم أهواؤهم فركبوها وذلك ما يفسّر كدر الصّورة المستعرضة عن أخلاق الناس عموماً .
إنّ تحليلنا لخصائص الحياة الاجتماعية في القرن الرابع للهجرة من خلال كتاب الإمتاع والمؤانسة يجعلنا نقف على النقطتيْن التاليتيْن :
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 166
مساهمون: مهدي عابدي
ص١٦٦