تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
ونجد في الكتاب تفسيرات لانتشار هذا الفساد الواضح ، فابن زرعة النصراني يرى أنّ الأمر يعود إلى ضعف الدّين والسياسة في نفس الوقت معاً ، فيقول : « هذا لأنّ الزمان من قبل كان ذا لَبُوسٍ من الدّين رائع وذا يدٍ من السّياسة بسيطة ، فأخلَقَ اللَّبوسُ وبَلىَ بل تمزّق وفَنِيَ وضعفت اليدُ بل شلّتْ وقُطعتْ ولاسبيلَ إلى سياسة دينية لأسبابٍ لاتتّفق إلّا بعِلل فلكيّة وأمورٍ سماويّة . . . واختيارُهم للتوجّه إلى محبوبهم أو الإعراضِ عن مكروههِمْ ضَعيفٌ طفيفٌ ولولا ذلك لكانت الحسراتُ تَزُول في وقت ما يُرادُ والغبطةُ تُملَكُ بإدراك ما يُتمنّي . . . » ( المصدر نفسه 3 : 63 ) . ويذهب أبو حيّان في نفس التفسير تقريباً بقوله : « وقد كان الناس يتقَلبّون في بسيطِ الشمس ( أعني الدِّين ) فغُربَتْ عَنْهم ، فعاشوا بنُور القمر ، ( أعني المروءةَ ) فأفَلَ دُونهم ، فبَقَوا في ظُلمات البرّ والبحر ( أعني الجَهل وقلّةِ الحياء ) فلا جرَمَ أعضَل الداءُ وأشكَلَ الدَّواءُ وغَلَبت الَحيرةُ وفُقِد المُرشدُ وقلَّ المُسترشِد . . . » ( المصدر نفسه 2 : 2 ) . إنّ من المنطقي جداً أن ينتشر الفساد في مجتمع لم يعد يأخذ أصول الأخلاق من منابع الدّين والشّريعة ، خاصّةً إذا كان ذلك المجتمع قد تعوّد عليها زماناً في الماضي شأن المجتمع الإسلامي ، فقد استمدّ قيمه الأخلاقية من الإسلام وعمل بها زماناً قبل أن يتقلّص تأثير الدّين في الحياة اليومية . لكن ألا يوجد أناس صالحون بارّون داخل هذا المجتمع ؟ إنّ الصّورة العامّة الغالبة على كتاب الإمتاع والمؤانسة ، تبيّن مدى ما بلغه المجتمع من فساد أخلاقي وهو ما جعل التوحيدي ينفي صراحة في مقدّمة الكتاب وجود أناس صالحين ، يقول : « وقد بُلينا بهذا الدَّهر الخالي من الدّيْانين الذين يُصْلحون أنفُسَهم ويُصْلحون غيرَهم بفضل صَلاحهم ، الخاوِي من الكِرام الذين يتَّسِعُون في أحوالهم ويُوسّعون على غيرهم من سَعَتِهم وكانوا يَهتمُّون بذخائر الشّكر المعجَّل في الدُّنيا يحرصون على وَدائع الأجرِ المؤجَّل في الأخرَى . » ( المصدر نفسه 1 : 16 ) .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 165 | مهدي عابدي