تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
سعدان واصفاً فساد لغة الناس بأثر التعصّب المذهبي : « وخَرَجوا إلى التّكفير والتفْسيقِ وإباحة الدّمِ والمالِ وردّ الشَّهادةِ وإطلاق اللّسانِ بالجَرح وبالقَذْع والتَّهاجُر والتَّقاطُع . » ( المصدر نفسه 3 : 186 ) ونقتصر في هذا الموضع على الاستشهاد بأقلّ الكلام بذاءةً وفحشاءَ فنذكر شتم مخنّث لآخر ، يقول له : « إنّما أنتَ بيتٌ بلا بابٍ وقدمٌ بلا ساقٍ وأعْمَى بلا عَصا ونارٌ بلا حَطَب ونهرٌ بلا مَعْبَر وحائطٌ بلا سَقْفٍ . . . » ( المصدر نفسه 2 : 59 ) . وقد شتم رجل آخر ، فقال : « يا رأسَ الأفعي ويا عصا المُكارِي ويا بُرْنُسَ الجاثَلِيق « 1 » ، يا كَوْدَنَ « 2 » القَصَّار ، يا بَيْرَم النجّار « 3 » ، يا ناقوسَ النّصاري ، يا ذَرور العيْن ، يا تَخْتَ « 4 » الثياب ، يا طعْنَ الرّمح في التُّرس ، يا مغْرَفة القُدور ومِكْنَسةَ الدُّور . . . ويا سطْحاً بلا ميزابٍ ويا عوداً بلا مِضراب ويا فَماً بلا نابٍ ويا سِكّيناً بلا نِصاب ويا رَعْداً بلا سَحاب ويا كُوَّةً بلا باب ويا قميصاً بلا مِئْزَر ويا جِسراً بلا نَهَر . . . يا ذَنَبَ الفأر ، يا قِدْراً بلا أبْزار . . . » ( المصدر نفسه 2 : 59 - 60 ) . إنّ هذه اللّغة رغم خلوّها من الألفاظ الفاحشة ، فإنها تعكس مدى الفساد الأخلاقي الذي ساد المجتمع فقد صار التّشاتم والتعيير فنّاً له قواعد لغوية وبلاغية . وبلغ الفساد الأخلاقي داخل المجتمع حدّاً جعل الوزير ابن سعدان يعبّر تقريباً عن يأسه من إمكانية إصلاح الحال قائلًا : « لقد حَالَ الزّمانُ على أمرٍ لا يأتي عليه النّعْتُ ولا تَستوعِبُه الأخبارُ وما عَجَبي إلّا مِن الزّيادةِ على مَرِّ السّاعات ولو وقَفَ لعلّهُ كان يُرْجَى بعض ما قد وقَعَ اليأسُ منه واعترضَ القُنوطُ دُونَه . » ( المصدر نفسه 3 : 62 ) .
هامش
( 1 ) - الجاثليق : من رؤساء النصاري ، معروف . ( 2 ) - الكودن : البغل . ( 3 ) - بيرم النجار : عتلته . ( 4 ) - تخت الثياب : ما تُصان فيه .
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 164 | مهدي عابدي