كما يصف لنا حركاتهنّ أثناء الغناء وهي حركات كان الهدف منها إغراء أهل المجلس بالتدللّ مثل « سُندُس » جارية ابن يوسف صاحب ديوان السّواد . فهي إذا غنّت تشاجتْ وتدللّتْ وتفتّلتْ وتكسرّتْ وتيسرّت وقالتْ : « أنا واللهِ كسلانةٌ مشغُولةُ القلب بين أحلامٍ أراها رَديئةً وبخْتٍ إذا استَوى التَوى وأملٍ إذا ظَهَر عَثَر » ( المصدر نفسه 2 : 173 ) .
والتهتّك الأخلاقي المنتشر في المجتمع العباسي كان على حساب قيم أخلاقية نبيلة تقلّص وجودها منه أبرزها التعفّف . وقد صارت للمجّان مجالسهم الخاصّة التي أشار التّوحيدي إلى واحد منها ، فقد اجتمعوا بالكوفة يوماً عند رجل يسمّى « حَسنُون المجنون » يصفون ملذّات الدنيا ومن تلك الملذّات ما ذكره حسنون : « إتيانُ النساء الرُّعْن والصّبيان الزُّعر « 1 » والمشىُ بلا سراويلَ بين يَدَيْ من لاتَحتَشمُه والعَرْبَدة على الثّقيل . » ( المصدر نفسه 2 : 50 ) .
كما أومأ التّوحيدي إلى تدقيق الفروق بين المغنّيات في ذلك العصر وفلسفة الغناء ، فقال :
« فعَلْوَة أحسنُ ما تكون إذا رفعتْ عقيرتُها و « نهاية » إذا اندفعتْ في شَدوِها و « بلّور » إذا رجّعت و « قَلم » إ ذا تناوأتْ في استهْلالها وتضاجرتْ على ضَجْرتها وتذكّرت شجْوَها الذي قد أضْناها وأنْضاها و « سُندس » إذا تشاجَتْ وتدلّلتْ وتفتّلت وتكسرّت . »
ثمّ تفلسف هل الغناء لذّة الحسّ أو لذّة العقل « ولِمَ يكون الغناءُ ألذَّ وأطْيبَ إذا راسَلَه « 2 » آخرُ ؟ » ( المصدر نفسه 2 : 82 وما بعدها ) .
3 - 2 - 6 - بذاءة الكلام :
ولم يقتصر الفساد الأخلاقي على سلوك النّاس فقط ، بل دخل لغتهم فمازجها الكلام الفاحش الذي تتعفّف من التلفّظ به الأفواه الكريمة وتتنزّه عن الإنصات اليه الأسماع الشريفة ، يقول ابن
هامش
( 1 ) - الزُّعر : جمع أزعر ، وهو الذي لا شعر له .
( 2 ) - راسله آخر ، أي تابعه في غنائه مساندة له .