تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ومن غريب ما جرى أنّ رجلًا يعرف بابن غسّان البصري قد أغرق نفسه لأسباب كثيرة من بينها « عشقٌ أحرَقَ كَبِدَه على غُلام ( الآمديِّ الحلاويِّ ) ببابِ الطّاق وحيرةٌ عَزَبَ مَعها عقلُه وخَذَلَه رأيُه ومَلَكَهُ حينُه . » ( المصدر نفسه 2 : 169 ) . ومن الغلمان الذين أشتهروا وفتنوا الناس ( عَلوان ) غلام ابن عُرس ، فإنّه إذا حضر المجلس تحدّث إلى الحاضرين حديثاً ظريفاً وقرّب نفسه إليهم حتّى « لايَبقي مِن الجماعَةِ أحدٌ إلّا ويَنبِضُ عِرقُه ويَهَشُّ فؤادُه ويَذكوا طمَعُه ويَفْكَهُ قلبُه ويَتحرّك ساكِنُه ويتدغدغُ « 1 » روحُه ويُومئُ إليه بقُبلَتِه ويَغْمِزُه بطَرْفِه ويخُصُّه بتحيةٍ وَيَعِدُه بعطيّةٍ . . . » ( المصدر نفسه 2 : 178 - 179 ) . فنلاحظ في هذا الوصف تأثير هذا الغلام في الحاضرين ؛ فهو يوقظ فيهم الطمع الشّهواني الذي يسيطر على كيانهم الحسيّ والوجداني حتى لكأنّهم فرّغوا أنفسهم وقلوبهم من كلّ شاغل إلّا مِن عشقه . والجدير بالذكر أنّ الولع بالغلمان نشأ بين الخراسانييّن ، إذ كانوا يخرجون في البعوث مع الغلمان وذلك حين سنّ أبو مسلم الخراساني ألّا يخرج النساء مع الجند ، خلافاً لبني أميّة الذين كانوا يسمحون بخروج النّساء مع العسكر ( متز 2 : 135 ) . إلى جانب انتشار الغلمان والمخنّثين في المجتمع ، كثُرت الجواري والماجنات . ففي اللّيلة الثامنة عشرة ( التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة 2 : 52 - 60 ) نجد التّوحيدي يتحدّث عن بعض الماجنات ويذكر أخبارهنّ وفي آخر الجزء الثّاني من الكتاب يستعرض أسماء عدد كبير من الجواري اللّاتي اشتهرن بالغناء وقد شغلت بعضهنّ الناس كصبابة التي زلزلت بغداد في وقتها « ولم يكُن للنّاس غيرُحديثِها لنوادرها وحاضِرِ جَوابها وحِدَّة مِزاجِها وسُرعةِ حَرَكتها ، بغير طَيْشٍ ولا إفراطٍ . . . » ( المصدر نفسه 2 : 182 ) .
هامش
( 1 ) - الدغدغة : انبساط الروح وهشاشته .