تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
أخلاقياً واجتماعياً واضحاً ، إذ الّذين يجعلون المال في حدّ ذاته هدفاً ، لا ذريعةً ، لايتوانون عن إلحاق المضرّة بغيرهم من النّاس ، ملقين بالأخلاق الكريمة جانباً ، ملبّين رغائب الأنانية في أنفسهم . والمجتمع الذي تقود الأنانية أبنائه لهو مجتمع مفكّك الأوصال ، رخو البناء ، يهتزّ لأقل الشّدائد خطراً وقد رأينا المجتمع في القرن الرابع للهجرة من خلال كتاب الإمتاع والمؤانسة تدخله الفوضى ويسيطر على سكّانه الرعب لأصغر الشدائد ، كما وقع سنة 362 : ه في هجوم الرّوم على المسلمين .

3 - 2 - 5 - تفشّي الفحش والمجون :

ومن مظاهر الفساد الأخلاقي المنتشرة بين الناس تفشّي الفحش قولًا وفعلًا وقد كان لكثرة الجواري والغلمان أكبر الأثر في ذلك . فقد لهج بهم الناس وقرّبوهم وبذلوا في سبيلهم الأموال الجمّة للتمتّع بهم ظرفاً وغناءً وجنساً وقد ذكر التّوحيدي في ثنايا الكتاب أسماء المخنّثين والمجّان الذين اشتهروا في عصره كالمخنّث « مِشمِشة » ( التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة 2 : 54 ) والمخنّث المعروف بالغريب ( المصدر نفسه 2 : 52 ) والماجن المعروف « بالغُراب » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) . وقد اشتهر الغلمان بالغناء وشغل بعضهم الناس في وقتهم كذلك ( الصبيّ الموصلي ) الذي « فَتنَ الناسَ وملأ الدُّنيا عِيارةً وخسارةً وافتضحَ به أهلُ النُّسك والوَقارِ وأصنافُ الناسِ من الصِّغار والكبارِ ، بوجهه الحَسنِ وثَغْره المبتَسَم وحَديثه السّاحِر وطَرْفِهِ الفاتِر وقَدِّه المديد ولفْظِهِ الحلو ودَلِّه الخَلُوب وتمنّعه المُطمِع وإطماعِهِ المُمَنِّع وتشْكيكِه في الوَصل والهَجر . . . وهو فتنةُ الحاضر والبادي ومُنْيَةُ السّائق والهادي . » ( المصدر نفسه 2 : 174 - 175 ) . يظهر من خلال هذا الاستشهاد تأثير هذا الغلام في الحياة الاجتماعية والحياة الأخلاقية وإنّ الحديث عن معالم جماله وعن سلوكه في إغراء الناس لأبرز دليل على التهتّك الأخلاقي الذي كان عليه الناس في ذلك العصر وإلّا فما معنى أن يفتن الناس كباراً وصغاراً بغلامٍ ؟
تصوير المجتمع العباسي في كتاب الإمتاع و المؤانسة لأبي حيان التوحيدي — صفحة 161 | مهدي عابدي