تَستجيبُ له وغائمتُه تدُرُّ عليه « 1 » ولكنّه مبدّد مندّد وحبُّ الدنيا يعُمِي ويُصِمّ . » ( المصدر نفسه 1 : 33 ) .
وهذا ابن السّمح من أهل المنطق ببغداد ( ت عام 318 : ه ) : « مستفرَغ ، مُحُّ « 2 » البالِ ، مأسورُ العقل ، يأخذُ الدانق « 3 » والقيراطَ والحبّة والطَّسُّوج والفَلس بالصرّف والوزن والتطفيف . . . والقلبُ متى لم يُنَقَّ من دنس الدنيا لم يَعبَق بفوائح الحكمة ولم يتفوَّحْ بردْع « 4 » الفلسفة ولم يقبل شعاعَ الاخلاق الطاهرة المُفضية إلى سعادة الآخرة . » ( المصدر نفسه 1 : 34 ) .
وهذا مسكوية ( ت عام 421 : ه ) محترقٌ في « البخل بالدّانق والقيراط والكِسرة والخِرقة » ( المصدر نفسه 1 : 36 ) وهذا الدّاركي ( ت عام 375 : ه ) هو الآخر قد اتخذ من مهنة القضاء مكسبة لجمع المال ، فصار قارون زمانه « وهو يأكلُ الدنيا بالدّين . . . ولا يرجع إلى ثقةٍ وأمانةٍ ولقد تهتكّ بنيسابورَ قديماً وببغدادَ حديثاً . . . وهو اليومَ قارونُ وقد علتْ رتبتُهُ في الكلامِ حتى لا مزيدَ عليها . . . » ( المصدر نفسه 1 : 141 - 142 ) ويأتي الفواحش بكلّ أصنافها وألوانها .
هذه الأمثلة العديدة المتنوّعة التي فعم بها أبوحيّان كتابه تصوّر بوضوح حرصَ الناس على جمع المال من تجّار وعلماء وغيرهم وهذه الظاهرة في ذاتها لا عيب فيها ، فمن الطبيعي أن يسعى الإنسان إلى الكسب الذي يمكّنه من الحياة الكريمة ولكنّه توجد للكسب طرق شرعية وأخلاقية نحصل بها عليه وأمّا عندما يكسب الناس المال عن طريق الزّور والتّخاتل والتّحايل ويجعلون هدفهم الأول والأخير هو جمع المال ذاته ولا ينفقونه في مصالح الدين والدنيا ، فإنّنا نرى في ذلك فساداً
هامش
( 1 ) - أي سحابة عقله تدرّ عليه .
( 2 ) - محّ البال ، أي خالصه .
( 3 ) - الدانق : سُدس الدرهم والقيراط : نصف الدانق ، والحبة : وزن شعيرتين والطسوج : رُبع الدانق .
( 4 ) - ردع الطّيب : أثره في الثوب والبدن .