الاستخراج ، مدبّرٌ للأموال ، بذولٌ للجهد ، معروفٌ بالإستقصاء لا يُغضِي عن دانق ولا يتغافلُ عن قيراطٍ . . . » ( المصدر نفسه 1 : 17 - 18 ) .
ويحدّثنا التوحيدي عن التجّار وعن تحيّلهم في معاملات البيع والشراء توفيراً للرّبح الكبير والنّفع الكثير بطرق غير شرعية يهدرون معها القيم الأخلاقية ويبيعون الدّين ، فإذا باعوا بضاعة ، قوّوا الأيمانَ على البُهتان وإذا اشتروا أخرى « أعنتوا لسانَ الميزان ليأخذوا بنُقصان » وإنّ الواحد منهم : « يَرضَى لك ما لا يرضى لنفسه ويأخذُ منك بنَقدٍ ويُعطيك بغيره ولايَرَى أنّ عليه من الحقِّ في المبايعة مثلَ ما له » ( المصدر نفسه 3 : 61 - 62 ) ، ولا يرى في ذلك حرجاً أو تعدّياً على القيم الأخلاقية ، بل يعتبره « حِذقاً بالتكسُّب ورِفقاً بالمطّلَب وعِلماً بالتِّجارة وتَقدُّماً في الصِّناعة . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
ويعلّق الوزير على أخلاق التجّاربقوله : « فوالله ما أسمعُ ولا أرى هذه الأخلاقَ إلّا شائعةً في أصناف الناسِ من الجنْد والكُتّاب والتُنّاء « 1 » والصّالحين وأهلِ العلم . . . لقد حالَ الزمانُ إلى أمرٍ لا يأتي عليه النَّعتُ ولا تَستوعِبُه الأخبارُ وما عجَبِي إلّا مِن الزِّيادة على مَرّ السّاعات ولو وقَفَ لعلّه كان يُرجَى بعض ما قد وقَعَ اليأسُ منه واعترضَ القنوطُ دونَه . » ( المصدر نفسه 3 : 62 ) .
وهذا ما يدّل على عمق الفساد الأخلاقي وشموله كلّ فئات المجتمع .
وشهادة ابن سعدان هذه لها ما يدعمها في الكتاب ، فأهل العلم قد حرصوا على جمع المال وتوفيره بوسائل متعددّة ؛ فهذا أبو علي عيسى بن إسحاق زرعة « 2 » ( ت عام 398 : ه ) : « ولولا توزّعُ فكرِه في التّجارةِ ومحبّتُه في الرِّبحِ وحِرصُه على الجمعِ وشدّتُه على المنع ، لكانت قريحتُه
هامش
( 1 ) - التنّاء : الدهاقين ورؤساء القري ، الواحد تانئ .
( 2 ) - فيلسوف نصراني كان يحضر مجالس ابن سعدان .