المفقودة من المجتمع في القرن الرابع للهجرة التي ذكرها التّوحيدي التأسّي عند الشدائد والأمانة والتعفّف . ( المصدر نفسه 1 : 17 - 18 )
وهي قيم ذاتية تتعلّق بالفرد أوّلًا وقبل كلّ شيء ، لكنّنا نجد لها أثراً اجتماعياً هاماً ؛ فهي علامات الصّلاح الذّاتي وتحلّي الناس بالفضائل ، وإن توفّرت هذه القيم في كثير من الناس ، تجعل المجتمع صالحاً وإن رحلت عن المجتمع يسبب فقدانها فسادَه وتدهورَه .
وقد افتقدت مثل هذه الأخلاق من المجتمع في القرن الرّابع للهجرة يقول التّوحيدي متحدّثاً عن مظهر من مظاهر فساد الناس : « إن استنصحتَه غَشَّك وإن سألتَه كذبَك وإن صدقتَه حَربَك ، متمّردُهُم صاعقةٌ على المعامِلين وصاحبُ سَمتهم نِقمَةٌ على المستَرسلينَ « 1 » » ( المصدر نفسه 3 : 62 ) .
ويقول مبرزاً أخلاق التجّار : « قد تعاطَوا المنكرَ حتى عُرِف وتناكَروا المعروفَ حتّى نُسىَ ، يَتمَسَّكون من الملَّةِ بما أصلح البضائعَ ويَنهَون عنها كُلَّما عادت بالوضائع « 2 » يُسَرُّ أحدهم بحيلةٍ يُرزَقُها لسلعَةٍ ينفِّقُها وغيلَةٍ لمسلم يَحميه الإسلامُ . . . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
وهذه الأخلاق الرّذيلة التي يتحدّث عنها التوحيدي هي علامة على الفساد الأخلاقي فردياً وإجتماعياً . وقد تفشّى في المجتمع ضروب أخلاقية أخرى غير هذه طبعت حياة الناس بطابع عامّ وهذه الضروب تعكس تردّى الأخلاق فعلًا وقولًا :
فقد غلب حبُّ المال والتّكالب على جمعه بشتّى الوسائل والذرائع على الخاصّة والعامّة والعلماء ، فصار ذلك من علامات التمييز الاجتماعي ، يقول أبوحيّان واصفاً هذا الأمر :
« وصار الأمرُ على أن يُقالَ فلانٌ خفيفُ الرّوحِ وفلانٌ حسنُ الوجهِ وفلانٌ ظريفُ الجملة ، حلوُ الشَّمائل ، ظاهرُ الكَيْس ، قويُّ الدّستِ في الشَّطرنج ، حسنُ اللّعب في النَّرْد ، جيّدٌ في
هامش
( 1 ) - السّمت : هيئة أهل الخير وطريقتهم والمسترسلون : من استرسل اليه إذا انبسط اليه واستأنس ثقةً به واتكالًا على ما بينهما من ودّ وصلة .
( 2 ) - الوضائع : الخسائر .