وهدّده بأنّه سينزل به النّكال الذي يندم بعده أشدّ الندم وأخذ في شتمه وتذكيره بضَعَة منزلته الاجتماعية قائّلا : « أتظنّن بغرارتِك « 1 » وغَمارتك « 2 » وذَهابك في فُسُولتك « 3 » التي اكتسبتَها بمخالطة الصّوفية والغُرباء والمجتدين الأدنياء الأردياء ، انّك تقدرُ على ذلك . » ( المصدر نفسه ، الصفحة نفسها ) .
ألم يكن جديراً من الوجهة الأخلاقية أن يكبر أبو الوفاء المهندس في أبي حيّان حسن أخلاقه وأمانته ؟
لكن وقد انقلبت القيم عنده ، فصار يرى الفضيلة رذيلة يستحقّ صاحبها أقصى العقاب .
في هذا الإطار من انقلاب القيم الأخلاقية ، عرف المجتمع غياب قيم وبروز أخرى وقد أبرز أبوحيّان في مقدّمة الكتاب خاصّة وفي طيّاته عامّة ؛ أهمّ القيم التي فقدها الناس بعد ما كان لها دور كبير في تماسك المجتمع وتضامنه وجعله مجتمعاً خيّراً تسوده الأخلاق الفاضلة ومن أبرز الأخلاق المفقودة التّواصي بالخير والتناهي عن الشرّ والتّراحم بين الناس والبذل وإيثار الغير على النفس ( المصدر نفسه 1 : 61 ) .
إنّ لهذه القيم الأخلاقية أبعاداً اجتماعية فهي رمز التّعاون في الخير بين الناس وهي التي تجعل علاقتهم ببعضهم البعض ليّنة مبنيّة على التوادّ والتّعاطف ، فالتّواصي بالخير والتناهي عن الشرّ يبرز محبة الإنسان لأخيه الإنسان وكذلك يركّز على الرّحمة والإيثار .
وغياب هذه القيم من المجتمع يجعل الناس يعيشون منطوين على أنفسهم ، يحملون في طيّات وجودهم عُقداً روحية مستعصية وتسطير عليهم الأنانية والتبختر ويغلب على علاقاتهم التوتّرُ النفسي وإنّ مجتمعاً لا يتواصى فيه الناس بالخير ولايتناهون عن الشرّ لهو مجتمع أنانيّ ومن القيم
هامش
( 1 ) - الغرارة : الغفلة .
( 2 ) - الغمارة : الجهل والبلاهة .
( 3 ) - الفسولة : الضعف والخسّة وقلّة المروءة .